عبدالرحيم عبدالباري
لم تعد المنظومة الصحية الحديثة تقاس فقط بعدد المستشفيات أو الأجهزة الطبية أو الكوادر البشرية، بل أصبحت تقاس أيضًا بقدرتها على بناء شراكات ذكية تضمن استدامة التمويل، وتعزز كفاءة الإدارة، وتؤسس لمستقبل يستطيع مواجهة التحديات دون أن يفقد حق المواطن في الحصول على خدمة صحية تليق به، ومن هذا المنطلق جاءت الخطوة التي أعلنتها وزارة الصحة والسكان بتوقيع بروتوكول تعاون بين المؤسسة العلاجية والهيئة العامة للرقابة المالية، لتؤكد أن الدولة المصرية تمضي بخطى واثقة نحو بناء نموذج جديد يجمع بين الرؤية الاقتصادية والرسالة الإنسانية، ويجعل الاستثمار في الإنسان هو الركيزة الأساسية للتنمية الشاملة، في مشهد يعكس نضجًا مؤسسيًا يتوافق مع مستهدفات الجمهورية الجديدة ورؤية مصر 2030.

جاء توقيع بروتوكول التعاون لإطلاق مبادرة “استثمار من أجل صحة الإنسان” كأول شراكة استراتيجية ضمن برنامج “شركاء في الأثر”، وهي مبادرة لا تقتصر أهميتها على توقيع وثيقة تعاون، بل تمتد إلى إعادة صياغة مفهوم تمويل القطاع الصحي من خلال أدوات أكثر استدامة وقدرة على تحقيق التنمية، وقد وقع البروتوكول الدكتور محمد شقوير رئيس مجلس إدارة المؤسسة العلاجية، والدكتور طارق سيف المدير التنفيذي لمعهد الخدمات المالية والمركز الإقليمي للتمويل المستدام، بحضور الدكتور إسلام عزام رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية، والأستاذ الدكتور شريف وديع مستشار وزير الصحة والسكان لشؤون الرعاية العاجلة والطوارئ وعضو مجلس الشيوخ، والدكتورة غادة علي مقرر اللجنة العليا لتنمية الموارد والتمويل المستدام بالمؤسسة وعضو مجالس إدارات مستشفياتها، وهو حضور يعكس حجم الرهان الذي تضعه الدولة على هذه الشراكة باعتبارها بداية لمسار جديد في إدارة الموارد الصحية.
وأوضح الدكتور حسام عبدالغفار المتحدث الرسمي لوزارة الصحة والسكان أن البروتوكول يأتي متسقًا مع توجهات الدولة نحو تعزيز الشراكات المؤسسية وتطبيق آليات تمويل مبتكرة تدعم استدامة الخدمات الصحية، مؤكدًا أن الهدف لا يقتصر على توفير مصادر تمويل إضافية، وإنما يمتد إلى تعظيم الاستفادة من الإمكانات المتاحة، ورفع كفاءة المؤسسات الصحية، وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، وهي رؤية تعكس تحولًا نوعيًا في الفكر الإداري داخل القطاع الصحي، حيث أصبحت الحوكمة الرشيدة والاستدامة المالية عنصرين أساسيين في أي مشروع يسعى إلى بناء منظومة صحية أكثر قدرة على الاستمرار والتطور ومواكبة المتغيرات.

وأضاف المتحدث الرسمي أن برنامج “شركاء في الأثر” لن يتوقف عند هذه المبادرة، بل سيمثل منصة لإطلاق سلسلة من الشراكات الاستراتيجية الجديدة التي تستهدف دعم مستشفيات المؤسسة العلاجية وتطوير بنيتها المؤسسية وتعزيز استدامة التمويل، بما ينعكس بصورة مباشرة على مستوى الخدمات الطبية المقدمة للمواطن، فكل شراكة ناجحة تضيف لبنة جديدة في بناء منظومة صحية أكثر كفاءة، وأكثر قدرة على مواجهة الضغوط الاقتصادية، وأكثر استعدادًا لتلبية احتياجات المرضى وفق أعلى معايير الجودة، وهو ما يعكس إيمان الدولة بأن التنمية الصحية الحقيقية تبدأ من التخطيط طويل المدى وليس من الحلول المؤقتة.
وأكد الدكتور محمد شقوير رئيس مجلس إدارة المؤسسة العلاجية أن هذا البروتوكول يمثل محطة فارقة في استراتيجية المؤسسة لتنمية الموارد والتمويل المستدام، موضحًا أن برنامج “شركاء في الأثر” يعمل على توحيد الجهود تحت مظلة مؤسسية واحدة، بما يعزز كفاءة إدارة الموارد، ويفتح المجال أمام بناء شراكات فاعلة تدعم تطوير المستشفيات واستدامة مشروعاتها التنموية، وهي رؤية تعكس إدراكًا عميقًا بأن المؤسسات الصحية الناجحة لم تعد تعتمد على التمويل التقليدي وحده، وإنما تحتاج إلى منظومة متكاملة تجمع بين الإدارة الرشيدة، والابتكار المالي، والتعاون مع مختلف مؤسسات الدولة لتحقيق أفضل النتائج الممكنة.
ومن جانبه أكد الدكتور إسلام عزام رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية أن هذه الشراكة تأتي انطلاقًا من الدور الذي تضطلع به الهيئة في دعم مبادئ الحوكمة والاستدامة، وتحفيز القطاع المالي غير المصرفي على تعزيز مسؤوليته المجتمعية، مشيرًا إلى أن دعم القطاع الصحي يمثل استثمارًا في مستقبل الدولة بأكملها، لأن صحة الإنسان هي الأساس الذي تقوم عليه التنمية الاقتصادية والاجتماعية، كما أعرب الأستاذ الدكتور شريف وديع مستشار وزير الصحة والسكان لشؤون الرعاية العاجلة والطوارئ عن تقديره لهذه الشراكة التي تجسد التكامل الحقيقي بين مؤسسات الدولة، مؤكدًا أن الدكتور خالد عبدالغفار نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الصحة والسكان يتابع بصورة مستمرة مشروعات تطوير مستشفيات المؤسسة العلاجية ضمن خطة الدولة لتعزيز جاهزية المنشآت الطبية والارتقاء بجودة الرعاية الصحية.
وأوضحت الدكتورة غادة علي مقرر اللجنة العليا لتنمية الموارد والتمويل المستدام بالمؤسسة أن مبادرة “استثمار من أجل صحة الإنسان” تمثل أولى ثمار برنامج “شركاء في الأثر”، مؤكدة أن المرحلة المقبلة ستشهد إطلاق المزيد من الشراكات النوعية مع مختلف القطاعات، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن الاستثمار في صحة الإنسان هو الاستثمار الأكثر بقاءً وتأثيرًا، وأن الالتزام بمعايير الحوكمة والشفافية وقياس الأثر هو الضمان الحقيقي لتحقيق نتائج مستدامة، فحين تتكامل الرؤية مع الإرادة، ويتلاقى الفكر الاقتصادي مع الرسالة الإنسانية، تصبح المؤسسات الصحية أكثر قدرة على صناعة مستقبل يليق بالمواطن المصري.
وفي الختام، فإن هذا البروتوكول لا يمثل مجرد اتفاق تعاون بين مؤسستين، بل يعكس فلسفة جديدة في إدارة القطاع الصحي، تقوم على أن التنمية لا تتحقق بالإنفاق وحده، وإنما بحسن الإدارة، واستدامة الموارد، وبناء الشراكات التي تحول الأفكار إلى إنجازات ملموسة، وبينما تواصل الدولة المصرية تحديث منظومتها الصحية، تظل مثل هذه المبادرات شاهدًا على أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان، وأن بناء مستقبل أكثر صحة لا يحتاج إلى الموارد فقط، بل يحتاج إلى رؤية تمتلك الشجاعة لتبتكر، والإرادة لتنفذ، والإيمان بأن صحة المواطن هي أعظم ثروة تمتلكها الأوطان.