عبدالرحيم عبدالباري
ليست كل الاجتماعات الحكومية مجرد لقاءات عابرة تُعقد خلف الأبواب المغلقة، فهناك اجتماعات تحمل في طياتها ملامح مرحلة جديدة، وترسم حدود المستقبل قبل أن تتحول إلى واقع على الأرض، وهذا ما عكسه اللقاء الذي عقده الدكتور خالد عبدالغفار، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الصحة والسكان، لبحث تنفيذ مشروع المدينة الطبية التابعة للهيئة العامة للمستشفيات والمعاهد التعليمية، ذلك المشروع الذي لا يستهدف إنشاء منشآت طبية فحسب، بل يسعى إلى بناء منظومة صحية متكاملة تعيد تعريف مفهوم الرعاية الصحية والتعليم الطبي والبحث العلمي في مصر، وتؤسس لصرح طبي قادر على المنافسة إقليميًا ودوليًا، في إطار رؤية وطنية تجعل الاستثمار في صحة الإنسان أحد أهم محاور التنمية المستدامة.
وفي هذا السياق استقبل الدكتور خالد عبدالغفار وفدًا رفيع المستوى ضم ممثلين عن مجموعة حسن علام القابضة، ومجموعة رونيسانس القابضة، وشركة حسن علام لإدارة الاستثمارات، إلى جانب ممثلي البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، وذلك لبحث آليات التعاون في تنفيذ مشروع المدينة الطبية، في خطوة تؤكد أن الدولة المصرية تنظر إلى الشراكة مع القطاع الخاص والمؤسسات المالية الدولية باعتبارها ركيزة أساسية لتحقيق التنمية، وأن المشروعات الصحية الكبرى لم تعد تعتمد على التمويل التقليدي وحده، وإنما أصبحت تقوم على تكامل الخبرات، وتبادل التجارب، وتوحيد الجهود للوصول إلى أفضل نموذج قادر على تحقيق الاستدامة والكفاءة.
وأوضح الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث الرسمي لوزارة الصحة والسكان، أن الوزير أكد خلال الاجتماع أن مشروع المدينة الطبية يعد أحد أكبر المشروعات الطبية في منطقة الشرق الأوسط، وأنه يمثل ترجمة عملية لرؤية الدولة في بناء نظام صحي حديث يقوم على الإتاحة والجودة والعدالة، ويضمن تقديم خدمات صحية متكاملة وفق أعلى المعايير العالمية، بما يتماشى مع مستهدفات رؤية مصر 2030، مشيرًا إلى أن المشروع لا ينطلق من فكرة إنشاء مستشفى ضخم فحسب، وإنما من فلسفة أشمل تهدف إلى بناء مدينة طبية متكاملة تستطيع أن تجمع بين العلاج والتعليم والتدريب والبحث العلمي داخل منظومة واحدة تتكامل فيها جميع عناصر النجاح.
وشهد الاجتماع استعراض عدد من التجارب الدولية الرائدة في إنشاء وإدارة المدن الطبية، وفي مقدمتها التجربة التركية التي أصبحت نموذجًا يحتذى به في هذا المجال، حيث أكد المشاركون أهمية الاستفادة من الخبرات العالمية، ونقل أفضل الممارسات بما يتناسب مع احتياجات الدولة المصرية، كما ناقش الحضور سبل تعظيم دور القطاع الخاص في تنفيذ المشروع، بما يضمن تحقيق أعلى مستويات الكفاءة التشغيلية، مع الحفاظ على الدور المحوري للدولة في توفير خدمات صحية متطورة لجميع المواطنين، وهو ما يعكس توجهًا يقوم على الانفتاح على التجارب الناجحة دون إغفال خصوصية الواقع المصري ومتطلباته.
ولم تقتصر المناقشات على الرؤية العامة للمشروع، بل امتدت إلى الجوانب التنفيذية والفنية، حيث تناول الاجتماع نموذج التعاون المقترح، وآليات تحقيق الاستدامة المالية والتشغيلية، ومتطلبات التجهيزات الطبية وغير الطبية، بما يضمن إنشاء مدينة طبية قادرة على مواكبة التطور المتسارع في التكنولوجيا الصحية، وفي هذا الإطار وجه الدكتور خالد عبدالغفار بإعداد نموذج محدث للمشروع، تمهيدًا لاستكمال الدراسات الفنية والإجراءات التنفيذية، بما يعكس حرص الوزارة على أن تكون كل خطوة محسوبة وفق رؤية علمية دقيقة، تضمن نجاح المشروع منذ مراحله الأولى وحتى اكتماله.
ويستهدف مشروع المدينة الطبية إنشاء منظومة متكاملة تضم منشآت علاجية متخصصة، ومراكز تعليمية وتدريبية، ووحدات بحث علمي، وفق أحدث المعايير الدولية، بما يعزز من مكانة مصر كمركز إقليمي للخدمات الطبية والتعليم والبحث العلمي، ويجعلها وجهة لاستقبال المرضى والدارسين والباحثين من مختلف الدول، وهو ما يفتح آفاقًا جديدة أمام الاقتصاد الصحي، ويعزز من قدرة الدولة على تصدير الخبرات والخدمات الطبية، إلى جانب الارتقاء بجودة الرعاية الصحية المقدمة للمواطن المصري، باعتباره الهدف الأسمى لكل خطط التطوير التي تتبناها الدولة.
وحضر الاجتماع الدكتور محمد مصطفى عبدالغفار، رئيس الهيئة العامة للمستشفيات والمعاهد التعليمية، والمهندس شريف مصطفى، مساعد وزير الصحة للمشروعات القومية، إلى جانب عدد من قيادات الشركات والجهات المشاركة، في حضور يعكس حجم التنسيق المؤسسي الذي يسبق انطلاق هذا المشروع الطموح، ويؤكد أن المدينة الطبية ليست مشروعًا هندسيًا أو استثماريًا فحسب، وإنما مشروع دولة يحمل رؤية استراتيجية تستهدف صناعة مستقبل صحي أكثر تطورًا واستدامة.
وفي الختام، فإن المدن العظيمة لا تُبنى بالإسمنت والحديد وحدهما، وإنما تُبنى بالأفكار التي تسبق التنفيذ، وبالرؤى التي تستشرف احتياجات الأجيال القادمة، ومشروع المدينة الطبية الذي تعمل عليه الدولة المصرية يمثل خطوة واثقة نحو مستقبل تصبح فيه الرعاية الصحية أكثر تطورًا، والتعليم الطبي أكثر تميزًا، والبحث العلمي أكثر تأثيرًا، لتؤكد مصر مرة أخرى أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان، وأن بناء المؤسسات الصحية الكبرى هو بناء لمستقبل وطن بأكمله، لا لمبانٍ تشيد، بل لحياة تُصان، وعقول تُبدع، وأمل يمتد إلى أجيال قادمة.