ابراهيم مجدى صالح
في ضوء توجيهات فضيلة الأستاذ الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية، رئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، واصلت دورة «منهجية الفتوى المعاصرة» فعالياتها لتدريب مجموعة من الدارسين الوافدين من دولة ماليزيا على العمل الإفتائي ومناهج ممارسته، وينظمها مركز التدريب بدار الإفتاء المصرية، في إطار جهود الدار الرامية إلى تأهيل الكوادر الإفتائية وإكسابها الأدوات العلمية والمنهجية اللازمة لممارسة الفتوى وفق ضوابطها الشرعية ومتطلبات الواقع المعاصر.
وقد أكد فضيلة أ.د. محمد قاسم المنسي، أستاذ الشريعة الإسلامية، بكلية دار العلوم جامعة القاهرة، خلال محاضرته بعنوان «منهج الاستدلال بآيات الأحكام في الفتاوى»، أن القرآن الكريم هو المصدر الأول للتشريع، وأن آيات الأحكام تمثل أصلًا مهمًّا في بناء الفتوى، موضحًا أن الاستدلال بها لا يتم بمجرد ذكر النص القرآني، وإنما يتطلب فهم سياقه، ومعرفة أسباب نزوله، والتمييز بين العام والخاص والمطلق والمقيد، ومراعاة الناسخ والمنسوخ، وربط دلالاته بمقاصد الشريعة الكلية. وأوضح فضيلته أن المقصود بآيات الأحكام الآيات التي تضمنت أحكامًا وتشريعات تتعلق بأفعال المكلفين، مشيرًا إلى أن علاقة المفتي بالقرآن الكريم تشبه علاقة الطبيب بالتشريح؛ إذ لا يكفي الاطلاع على النص، وإنما لا بد من امتلاك أدوات التعامل معه وفهم تفسيره ودلالاته وأسباب نزوله وما يترتب عليه من أحكام، كما تناولت المحاضرة ضوابط الاستدلال باللفظ والمعنى، مؤكدًا أن المفتي مطالب بفهم دلالة اللفظ ومنطوقه ومفهومه، والتمييز بين النص الصريح والظاهر والمؤول، مع الجمع بين علوم التفسير وأصول الفقه واللغة العربية عند التعامل مع النص القرآني.
وأشار الدكتور قاسم المنسي، إلى أن المنهج الإفتائي الرصين يقوم على الجمع بين التأصيل القرآني وفقه الواقع؛ فلا يصح تنزيل الآية بمعزل عن فهم الواقعة، كما لا يجوز فهم الواقعة بمعزل عن ضوابط الشريعة ومقاصدها، مؤكدًا أن الفتوى ليست مجرد إجابة عن سؤال، وإنما هي أمانة علمية تقتضي التثبت وحسن النظر، مستشهدًا بموقف الإمام مالك حين كان يقول «لا أدري» في كثير من المسائل. واستعرض فضيلته نماذج تطبيقية على النوازل المعاصرة، مبينًا كيفية تنزيل الحكم الشرعي من خلال فهم النص والواقعة معًا، مؤكدًا أن المفتي الذي يتقن أدوات الاستدلال بآيات الأحكام يكون أكثر قدرة على إصدار فتوى راسخة تستجيب لحاجات الناس وتحافظ على مقاصد الشريعة، واختتم محاضرته بالتأكيد على حرص دار الإفتاء المصرية على ترسيخ هذا المنهج العلمي لدى الدارسين، بما يعزز الفهم الصحيح للقرآن الكريم، ويرسخ المنهج الوسطي في ممارسة العمل الإفتائي.
من جانبه، استعرض الدكتور مصطفى عبد الكريم محمد، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، مدير البوابة الإلكترونية بدار الإفتاء، خلال محاضرته بعنوان «الجودة والاعتماد في إصدار الفتاوى»، مفهوم الجودة في العمل الإفتائي باعتبارها منهجًا متكاملًا يهدف إلى الارتقاء بمراحل صناعة الفتوى وضمان سلامتها العلمية والمنهجية والإجرائية، موضحًا أن الفتوى ليست مجرد إجابة مباشرة عن سؤال، وإنما هي نتيجة لسلسلة متكاملة تبدأ بفهم السؤال واستيعاب مقصوده، ثم دراسة الواقعة وملابساتها، وتكييفها تكييفًا فقهيًّا صحيحًا، وصولًا إلى إصدار الحكم الشرعي وصياغته بصورة واضحة ومناسبة لحال المستفتي. وأكد فضيلته أن جودة الفتوى تتوقف بدرجة كبيرة على جودة إدراك السؤال وفهم الواقع المحيط به، مشيرًا إلى أن المفتي مطالب بالإحاطة بمجموعة من العوالم المؤثرة في صناعة الحكم، وفي مقدمتها عالم الأشخاص، وعالم الأشياء، وعالم الأحداث، وعالم الأفكار، لأن سلامة تصور الواقعة تمثل الأساس الذي يبنى عليه التكييف الفقهي السليم.
وأوضح الدكتور مصطفى عبد الكريم أن الجودة في الإفتاء لا تعني سرعة الاستجابة للسائل، وإنما تعني إتقان جميع مراحل صناعة الفتوى، بدءًا من استقبال السؤال وفهمه، مرورًا بالبحث والتكييف والمراجعة والتدقيق، وانتهاءً بصياغة الجواب، مشيرًا إلى أن الاعتماد المؤسسي يسهم في نقل العمل الإفتائي من الجهد الفردي إلى العمل المؤسسي المنضبط، من خلال الالتزام بمعايير واضحة في الكفاءة العلمية والمهنية، والإجراءات وسير العمل، والتوثيق والأرشفة، وجودة المخرج الإفتائي، والتطوير والتحسين المستمر. كما تناول عددًا من الآليات الضامنة لجودة الفتوى، من بينها لجان المراجعة والتدقيق الشرعي، وتفعيل الفتوى الجماعية في النوازل والقضايا الكبرى، وإنشاء قواعد بيانات إفتائية موثقة، وتوفير برامج تدريب وتأهيل مستمرة للمفتين والعاملين في المجال الإفتائي، مؤكدًا أن اعتماد منهج الجودة يسهم في تعزيز قدرة المؤسسة على توحيد الإجراءات وتطوير الكوادر وتوثيق المعرفة الإفتائية وتحقيق الاستمرارية المؤسسية.
وفي السياق ذاته، شهدت الفعاليات محاضرة للدكتور محمود شلبي، مدير عام الإدارة العامة للمراجعة الشرعية بالدار، بعنوان «مشروع فتوى»، أكد خلالها أن مناهج الإفتاء تختلف باختلاف البلدان والمفتين، وأنه لا يصح تقييم منهج بآخر أو إنكار مفتٍ على غيره ما دام لكل منهما منهجه المعتمد، موضحًا أن مشروع الفتوى يبدأ بفهم مسألة السائل فهمًا دقيقًا وتصوير الواقعة تصويرًا صحيحًا قبل البحث عن حكمها، لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره. وأوضح أن المفتي الناجح يجمع بين التأصيل الشرعي وفقه الواقع والاستعانة بأهل التخصص، وأن منهج دار الإفتاء المصرية يقوم على التدرج العلمي في بناء الفتوى من السؤال إلى الجواب، بدءًا من تلقي السؤال وتحريره، ثم تحقيق المناط، والبحث في الأدلة من الكتاب والسنة وأقوال الفقهاء، ثم الترجيح ومراعاة المقاصد والمآلات، وصولًا إلى صياغة جواب واضح يراعي حال المستفتي، كما بيّن الفرق بين الاختيار والترجيح، مؤكدًا أن المفتي مطالب بفهم الأبعاد الاجتماعية والنفسية والاقتصادية للواقعة قبل الانتقال إلى مرحلة التكييف الفقهي.
وأكد الدكتور محمود شلبي أن أهم ما يميز المنهج الإفتائي في مصر هو الجمع بين الأصالة والمعاصرة، فلا تفريط في الثوابت ولا جمود عن الواقع، مشيرًا إلى أن الفتوى ليست مجرد نقل لنص، وإنما عملية اجتهادية مؤسسية تراعي تغير الزمان والمكان والأشخاص والأحوال. واستعرض فضيلته نماذج عملية للتعامل مع الأسئلة المستجدة، موضحًا ضرورة التمييز بين الفتوى والقضاء، وبين الفتوى والإرشاد، ومعرفة متى تكون الفتوى عامة أو خاصة، مع مراعاة أعراف الناس وواقعهم دون مخالفة أصول الشريعة، كما أكد اهتمام دار الإفتاء المصرية بتدريب المفتين على مهارات التواصل مع المستفتي، باعتبار أن نجاح الفتوى لا يتوقف على صحة الحكم فحسب، وإنما يتصل كذلك بحسن عرضه وطريقة إيصال معناه بما يحقق الطمأنينة ويزيل الحيرة. واختتم فضيلته بالتأكيد على أن مشروع الفتوى الناجح يقوم على ثلاث دعائم رئيسية: فهم صحيح للنص، وفهم دقيق للواقع، وتنزيل سليم للحكم، وهو ما يعزز الثقة في المؤسسة الإفتائية المصرية وقدرتها على معالجة نوازل العصر.