عبدالرحيم عبدالباري
أحيانًا لا تحتاج منظومة إنقاذ الأرواح إلى أكثر من صوت طفل صغير في لحظة خوف، ليبدأ سباق مع الزمن، وهذا تحديدًا ما حدث على الطريق الصحراوي الشرقي بمحافظة بني سويف، عندما كان طفل لم يتجاوز الثالثة عشرة من عمره برفقة والده داخل سيارة نصف نقل مخصصة لنقل الأثاث، قبل أن يفاجأ الأب بوعكة صحية مفاجئة أفقدته القدرة على الكلام والحركة، وفي لحظة كان يمكن للخوف أن يسيطر على الطفل، أمسك هاتفه واتصل بالخط الساخن 123، طالبًا النجدة لإنقاذ والده، لتبدأ من هنا واحدة من أكثر الوقائع الإنسانية تأثيرًا، طفل يحاول إنقاذ أبيه، وغرفة عمليات تتحرك، وأبطال إسعاف يعرفون أن كل دقيقة في مثل هذه الحالات قد تصنع الفارق بين الحياة والموت.
لم تكن مكالمة الطفل مجرد طلب للمساعدة، فقد حرص مسؤول غرفة القيادة والتحكم على تهدئته وإبقائه على تواصل معه، بينما جرى توجيه أقرب سيارة إسعاف إلى موقع البلاغ، وبعد نحو ست دقائق فقط كانت أطقم الإسعاف أمام السيارة، لتبدأ مهمة التعامل مع الأب ونقله بشكل عاجل إلى مستشفى جامعة بني سويف، الذي يضم وحدة متخصصة لعلاج السكتات الدماغية، وأظهر التقييم المبدئي أن الأب تعرض لسكتة دماغية مفاجئة، فتعامل المسعفون مع الحالة بسرعة واحترافية، لتتحول الدقائق الست من مجرد رقم في تقرير إلى زمن حقيقي كان له دور حاسم في إنقاذ حياة إنسان.
القصة لم تنتهِ عند وصول الأب إلى المستشفى، بل تحولت إلى رسالة تقدير لكل من شارك في إنقاذه، فقد كرم الدكتور خالد عبدالغفار، وزير الصحة والسكان، فريقًا من أبطال هيئة الإسعاف المصرية، ضم الدكتور هاني همام مدير إسعاف بني سويف، وصابر محمد زباق أحمد مشرف غرفة عمليات بني سويف، والمسعف محمد عرفان عوض الله، والسائق ادور فتح الله خليل، ووجه بصرف مكافأة مالية لهم، مؤكدًا أن رجال الإسعاف يمثلون خط الدفاع الأول لإنقاذ الأرواح، وأن الوزارة لن تتوانى عن دعم وتكريم النماذج المشرفة التي تضرب أروع الأمثلة في الإخلاص وسرعة الاستجابة لنداء الواجب.
لكن أجمل ما في الحكاية أن بطلها الأول لم يكن يحمل سماعة طبيب، ولا يقود سيارة إسعاف، ولا يعمل داخل مستشفى، وإنما كان طفلًا وجد نفسه فجأة أمام أبيه عاجزًا عن الحركة والكلام، فاختار ألا يستسلم للخوف، وأن يفعل الشيء الصحيح، اتصل بـ123 وطلب المساعدة، ثم تعاون مع غرفة العمليات حتى وصلت فرق الإسعاف، لتكتمل بعدها سلسلة الإنقاذ، طفل امتلك الشجاعة، وغرفة عمليات امتلكت سرعة التصرف، ومسعفون امتلكوا التدريب والخبرة، ومستشفى متخصص كان جاهزًا لاستقبال الحالة، ولهذا فإن تكريم أبطال الإسعاف اليوم لا يكرّم أربعة أسماء فقط، وإنما يكرّم منظومة كاملة أثبتت أن الإنسان عندما يستغيث، يجب أن يجد من يسمعه، وعندما تكون حياته معلقة بثوانٍ، يجب أن يجد من يصل إليه قبل أن يفوت الأوان.