بقلم دكتور؟ طارق هلال
هناك فيلم لم ينتج بعد، وربما لن ينتج… ليس لأنه يحتاج إلى ميزانية ضخمة، ولكن لأن السيناريو نفسه بسيط إلى درجة تثير الضحك!
اسم الفيلم: “كيف تهدم دولة في 10 خطوات… من غير ما حد يعرف إنك أنت السبب؟”
الفيلم يبدأ بمشهد عبقري…مجموعة من الخبراء يجلسون حول طاولة مستديرة، وأمامهم خريطة دولة مستقرة. يسأل رئيس الاجتماع: نبدأ منين؟ يرد الخبير الأول بثقة: من العقول. يصمت الجميع. ثم يضيف: لأنك لو أقنعت المواطن أن وطنه هو المشكلة، فلن تحتاج إلى إقناعه بمن هو الحل!
يصفق الجميع.
وهنا تبدأ الخطة.
المشهد الأول: اصنع مشكلة من كل شيء. الاقتصاد؟ كارثة. الخدمات؟ انهيار. الشباب؟ ضائع. المستقبل؟ مظلم. والحل؟ لا أحد يعرف! المهم أن يقتنع المواطن أن كل شيء سيئ… وأن كل ما حوله ينهار. أما الإنجازات؟ فبسيطة جدًا. صورها باعتبارها «دعاية». وأي مشكلة حقيقية؟ كبرها حتى تصبح عنوان الوطن كله.
ثم انتقل إلى المشهد الثاني: «اكسر الثقة». قل للناس إن كل المؤسسات لا تعمل. وأن كل مسؤول فاسد. وأن كل خبير يبيع كلامًا. وأن كل رقم رسمي كذب. لا تقدم بديلًا. فقط… شكك! فالشك، في هذه المرحلة، أهم من الحقيقة.
ثم يأتي المشهد الثالث: «حول الاختلاف إلى كراهية». قل للناس: أنت مختلف عن جارك. أنت مختلف عن زميلك. أنت مختلف عن أخيك. أنت من منطقة، وهو من منطقة. أنت تفكر بطريقة، وهو بطريقة أخرى. وبعد قليل… يكتشف المواطن أن أكبر خطر على وطنه هو المواطن الذي يجلس بجواره! وهنا يبتسم مخرج الفيلم. لقد بدأت اللعبة تنجح.
ثم نصل إلى المشهد الرابع: «اضرب الذاكرة». قل للناس إن تاريخهم كله أخطاء. وإن أجدادهم لم يفعلوا شيئًا. وإن كل انتصار كان صدفة. وكل مشروع كان بلا قيمة. وكل تضحيات الماضي مجرد حكايات قديمة. لأن الشعوب التي تفقد احترامها لتاريخها…تصبح أكثر استعدادًا للتنازل عن مستقبلها.
ثم تأتي أخطر فقرة في السيناريو: «اصنع بطلًا افتراضيًا من الخارج». شخص لا تعرفه. لا تعرف تاريخه. ولا تعرف من يموله. ولا تعرف ماذا يريد. لكنه يتحدث بلغة جميلة جدًا! يقول لك: «أنا معكم». «أنا أدافع عنكم». «أنا أريد الحرية لكم». فتكتشف بعد قليل أن الحرية المقصودة هي أن
تفقد وطنك!
ثم يدخل علينا خبير السوشيال ميديا في الفيلم وهو يحمل هاتفه ويقول: عندنا مشكلة. يسأله رئيس الاجتماع: إيه المشكلة؟ يرد: الناس بدأت تسأل عن الحقيقة! يصمت الجميع. ثم يقول أحدهم: بسيط جدًا…اعمل لهم ترند جديد! وهنا تتحول الحقيقة إلى «موضوع قديم»…والكذبة إلى «ترند»…والشائعة إلى «خبر عاجل»…والحساب المجهول إلى «مصدر موثوق»! وهكذا يصبح المواطن أمام آلاف الرسائل في اليوم، حتى لا يعود يعرف أين الحقيقة من الضجيج.
لكن المفاجأة في نهاية الفيلم…أن المخرج يكتب على الشاشة: «الخطة لا تنجح وحدها». ثم تظهر جملة أخرى: «لا يمكن هدم دولة من الخارج… إذا كانت من الداخل تمتلك وعيًا يحميها.»
وهنا يفهم المشاهد أن أخطر سلاح ليس الشائعة… ولا الحساب الوهمي… ولا الفيديو المفبرك… ولا حتى الأزمات الاقتصادية.
أخطر سلاح هو: أن تجعل الإنسان يفقد القدرة على التفكير. لأن المواطن الواعي يمكن أن يختلف مع حكومته، وينتقد المسؤول، ويطالب بالإصلاح، ويغضب من الخطأ…
لكن الفرق أنه لا يسمح لأحد أن يحول غضبه إلى كراهية لوطنه. وهنا نكتشف أن «روشتة هدم الدول» ليست سحرًا. هي مجموعة من الأدوات القديمة: إشاعة… تشكيك… استقطاب… تضخيم للأزمات… ضرب للثقة… وتزييف للوعي.
لكنها تحتاج دائمًا إلى شيء واحد حتى تنجح: عقل يصدق قبل أن يسأل. ولهذا ربما يكون أهم مشروع وطني في أي دولة اليوم ليس فقط بناء الطرق والمصانع والمدن… بل بناء الإنسان القادر على التمييز بين النقد والهدم، وبين الحرية والفوضى، وبين الحقيقة والدعاية.
أما فيلمنا الساخر…فربما تكون نهايته الأفضل أن يقوم المواطن من مقعده في السينما، وينظر إلى الشاشة ويقول: «الفيلم حلو… بس السيناريو مكشوف»!
ثم يخرج إلى الشارع… يفتح هاتفه…يجد شائعة جديدة…فيبتسم ويقول: «مش هتضحكوا عليا تاني… هاتوا المصدر الأول»!. وهنا فقط…تسقط الخطة.