عبدالرحيم عبدالباري
في وقت تتزايد فيه التحديات الصحية المرتبطة بالسمنة والأمراض المزمنة ونقص العناصر الغذائية، لم تعد التغذية مجرد نمط يومي يرتبط بالطعام، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من منظومة الوقاية والعلاج، وعنصرًا مؤثرًا في نتائج التدخلات الطبية وجودة حياة المرضى، وهو ما يفرض ضرورة تعزيز الوعي المجتمعي بالممارسات الغذائية السليمة، والتصدي للمعلومات غير الدقيقة التي تنتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة ما يتعلق بمنتجات التخسيس والمكملات الغذائية والأنظمة القاسية.

وعلى هامش المؤتمر السنوي الخامس للمعهد القومي للتغذية، يبرز دور المؤسسات الطبية والتعليمية في تحويل المعرفة العلمية إلى ممارسات واقعية يستفيد منها المواطن، من خلال التوعية والتدريب وتطوير الخدمات العلاجية، وتأتي هذه الملفات في مقدمة القضايا التي يناقشها الحوار مع الأستاذ الدكتور محمد مصطفى عبدالغفار، رئيس الهيئة العامة للمستشفيات والمعاهد التعليمية، للوقوف على أهمية التغذية في المنظومة الصحية، وسبل حماية المواطنين من الممارسات الغذائية الخاطئة، وتعزيز الوقاية لدى الأطفال والحوامل وكبار السن ومرضى الأورام.
س: كيف يمكن للمواطن التمييز بين النصائح الغذائية المبنية على أدلة علمية، والأنظمة الغذائية المنتشرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي دون إشراف طبي؟
ج: المعيار الأساسي هو مصدر المعلومة ومدى استنادها إلى الأدلة العلمية، فليس كل ما ينتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي يصلح للتطبيق على جميع الأشخاص، لأن الاحتياجات الغذائية تختلف باختلاف العمر والحالة الصحية والوزن ومستوى النشاط البدني، فضلًا عن وجود أمراض مزمنة قد تستلزم نظامًا غذائيًا محددًا.
وننصح المواطنين بعدم الانسياق وراء الأنظمة التي تعد بنتائج سريعة أو تدعو إلى الحرمان الشديد من الطعام أو الاستغناء عن مجموعات غذائية كاملة دون مبرر طبي، كما يجب الحذر من النصائح التي تقدم حلولًا موحدة لجميع الأشخاص، أو تدعي علاج أمراض مزمنة بمجرد اتباع نظام غذائي معين، والأفضل دائمًا الحصول على المعلومات من الجهات الصحية الرسمية والمتخصصين المؤهلين، واستشارة الطبيب أو أخصائي التغذية عند الحاجة، خاصة بالنسبة لمرضى السكري والقلب والكلى والكبد والحوامل والأطفال.
س: ما دور المعهد القومي للتغذية في مواجهة المعلومات المغلوطة حول المكملات الغذائية ومنتجات التخسيس والأنظمة الغذائية القاسية؟
ج: يمثل المعهد القومي للتغذية أحد المراجع العلمية المتخصصة في مجال التغذية، وتكتسب جهوده أهمية كبيرة في نشر الوعي الصحيح وتصحيح المفاهيم المغلوطة، من خلال الاستفادة من الخبرات العلمية والبحثية في توضيح الاحتياجات الغذائية السليمة، ومخاطر الممارسات التي قد تعرض صحة المواطنين للخطر.
ومواجهة المعلومات المغلوطة لا تقتصر على إصدار النصائح العامة، بل تتطلب خطابًا توعويًا مبسطًا يصل إلى المواطنين بلغتهم، ويوضح الفرق بين الاحتياج الفعلي للمكملات الغذائية واستخدامها دون داعٍ طبي، وكذلك مخاطر منتجات التخسيس مجهولة المصدر أو غير الموثوقة، وتأثير الأنظمة الغذائية القاسية في الصحة العامة. ومن المهم أن تتكامل جهود المؤسسات الصحية والمتخصصين ووسائل الإعلام في تقديم معلومات دقيقة تستند إلى الأدلة العلمية، مع توجيه المواطنين إلى استشارة المختصين وعدم تناول المكملات أو استخدام منتجات التخسيس باعتبارها بديلًا عن النظام الغذائي المتوازن أو العلاج الطبي.
س: كيف تتعامل الهيئة مع سوء التغذية لدى كبار السن والأطفال ومرضى الأورام، خاصة أن سوء التغذية قد يتزامن مع السمنة ولا يقتصر على نقص الوزن؟
ج: سوء التغذية مفهوم أوسع من مجرد النحافة أو انخفاض الوزن، فقد يعاني الإنسان من السمنة وفي الوقت نفسه يفتقر إلى عناصر غذائية أساسية يحتاجها الجسم، وهو ما يجعل تقييم الحالة الغذائية جزءًا مهمًا من الرعاية الطبية، لا سيما لدى الفئات الأكثر احتياجًا إلى المتابعة، مثل الأطفال وكبار السن ومرضى الأورام والمرضى الذين يخضعون لجراحات كبرى أو علاجات طويلة الأمد.
والتعامل مع هذه الحالات يجب أن يبدأ بالتقييم المناسب للحالة الصحية والغذائية، ومراجعة التاريخ المرضي والاحتياجات الفردية، ثم وضع خطة تغذوية تتناسب مع طبيعة المرض والعلاج، بالتعاون بين الطبيب المعالج وأخصائي التغذية وباقي أعضاء الفريق الطبي. وتزداد أهمية ذلك لدى مرضى الأورام الذين قد يتعرضون لفقدان الشهية أو انخفاض الوزن والكتلة العضلية نتيجة المرض أو بعض العلاجات، وكذلك كبار السن الذين قد يواجهون صعوبات في المضغ أو البلع أو امتصاص بعض العناصر الغذائية، والأطفال الذين تؤثر التغذية غير المتوازنة في نموهم وتطورهم، والهدف هو التدخل المبكر والحد من المضاعفات ودعم قدرة الجسم على التعافي، وفقًا للاحتياجات الطبية لكل حالة.
س: ما خطط الهيئة لتعزيز التوعية بالتغذية السليمة لدى الحوامل والأطفال، والحد من الأنيميا ونقص العناصر الغذائية المؤثرة في النمو والصحة العامة؟
ج: التوعية بالتغذية السليمة تبدأ من المراحل الأولى للحياة، وتكتسب أهمية خاصة خلال الحمل والطفولة، لأن هذه المراحل ترتبط بالنمو وتكوين القدرات البدنية والذهنية، كما أن الوقاية من نقص العناصر الغذائية تتطلب الجمع بين التوعية الصحية والمتابعة الطبية والتدخل المبكر عند اكتشاف أي مشكلة.
ومن هذا المنطلق، تمثل المؤسسات الصحية والتعليمية بيئة مهمة لتقديم الرسائل التوعوية للأمهات والأسر، وتوضيح أهمية الغذاء المتوازن ومصادر الحديد والعناصر الغذائية الأساسية، والتأكيد على المتابعة المنتظمة خلال الحمل ومراحل نمو الطفل، وعدم تناول مكملات الحديد أو الفيتامينات دون استشارة طبية. كما ينبغي الاهتمام بالكشف عن الأنيميا وأسبابها، وعدم افتراض أن جميع حالات فقر الدم ناتجة عن نقص الحديد وحده، لأن التشخيص الصحيح هو الأساس لاختيار العلاج المناسب.
وتظل الشراكة بين المؤسسات الصحية والمعهد القومي للتغذية ومقدمي الخدمات الطبية ووسائل الإعلام ضرورية لتوسيع نطاق التوعية والوصول إلى الأسر بالمعلومات الموثوقة، بما يدعم الوقاية من المشكلات الغذائية ويعزز صحة الأم والطفل، ويسهم في بناء مجتمع أكثر وعيًا بأهمية التغذية السليمة باعتبارها استثمارًا طويل الأجل في صحة الإنسان.
وفي ختام الحوار، تبرز أهمية التعامل مع التغذية باعتبارها جزءًا أصيلًا من الرعاية الصحية المتكاملة، لا ينفصل عن التشخيص والعلاج والوقاية، كما تتأكد الحاجة إلى نقل المعرفة العلمية من المؤتمرات والمؤسسات البحثية إلى الممارسات اليومية للمواطنين، بما يعزز قدرتهم على اتخاذ قرارات صحية سليمة، ويحميهم من المعلومات المضللة والممارسات الغذائية التي قد تؤثر سلبًا في صحتهم.