ليس كل من امتلك صفحة أصبح مؤثرًا، وليس كل من حصد ملايين المتابعين صار صاحب تأثير حقيقي في المجتمع، فهناك فارق شاسع بين الانتشار والشهرة من ناحية، وبين القيمة والتأثير من ناحية أخرى. وبين من يظهر أمام الكاميرا ليجذب الانتباه، ومن يقف خلف الكلمة ليصنع وعيًا ويترك أثرًا يمتد لسنوات.
ومن هنا، فإن اللقاء الذي جمع معالي وزير الدولة للإعلام، الكاتب الصحفي ضياء رشوان، بعدد من صناع المحتوى وأصحاب الصفحات، تحت مسمى المؤثرين، يطرح تساؤلات جوهرية حول المعايير التي أصبح يُنظر من خلالها إلى التأثير الإعلامي، وحول مفهوم الإعلام ذاته، ومكانة القامات الصحفية والإعلامية التي صنعت تاريخًا مهنيًا لا يمكن قياسه بعدد المتابعين أو حجم المشاهدات.
عفوًا معالي الزميل، من منح صفة التأثير لكل من امتلك منصة رقمية؟ وهل أصبحت الشهرة معيارًا لتقييم المكانة الإعلامية؟ وهل يكفي أن يتابع شخص ملايين المستخدمين حتى يصبح مؤهلًا للمشاركة في رسم ملامح الخطاب الإعلامي للدولة؟
إن التأثير ليس لقبًا يمنح، ولا صفة تكتسب بمجرد تصدر المشاهدات، وإنما هو حصيلة سنوات من العمل والمعرفة والمواقف والخبرة والقدرة على إقناع العقول، وليس مجرد استقطاب الأنظار.
هناك قامات صحفية وإعلامية صنعت وجدان أجيال، وشاركت في تشكيل الوعي الوطني، وكشفت الحقائق، وناقشت أخطر الملفات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وامتلكت من الخبرة والتراكم المعرفي ما يجعلها مرجعًا في تخصصاتها. هؤلاء لم يصنعوا مكانتهم بخوارزميات المنصات، ولم يستمدوا قيمتهم من عدد الإعجابات، وإنما بنوها عبر سنوات من البحث والتحقيق والتحليل والممارسة المهنية.
فالصحفي الذي قضى عمره في متابعة الأحداث، والمحلل الذي يمتلك القدرة على قراءة ما وراء التصريحات، والكاتب الذي يطرح رؤية تستند إلى المعرفة، والإعلامي الذي يحاور المسؤول ويضعه أمام أسئلة المجتمع، جميعهم يمتلكون أدوات تأثير حقيقية لا يمكن اختزالها في أرقام رقمية عابرة.
فالصحافة الحقيقية ليست مجرد نشر معلومة، بل مسؤولية عن التحقق منها، ووضعها في سياقها، وكشف أبعادها، وتقديمها للرأي العام بصورة تساعده على الفهم والتقييم. والإعلام المهني ليس مجرد حضور أمام الكاميرات، بل قدرة على إدارة النقاش العام، وطرح الأسئلة الصعبة، ومواجهة التضليل، واحترام عقل المواطن.
أما الصفحات، مهما بلغت جماهيريتها، فهي في النهاية أدوات للنشر والتواصل، وقد تكون نافذة مهمة لنقل المعرفة إذا امتلك أصحابها الوعي والمسؤولية، لكنها لا تتحول تلقائيًا إلى مؤسسات إعلامية، ولا تمنح أصحابها صفة القامة الإعلامية لمجرد امتلاكهم جمهورًا واسعًا.
ولا يعني ذلك التقليل من كل صناع المحتوى، فهناك نماذج جادة تقدم أعمالًا مفيدة وتستحق التقدير، لكن وضع الجميع في خانة المؤثرين، دون تمييز بين طبيعة المحتوى ومستوى المعرفة والمسؤولية، يمثل خلطًا بين مفاهيم مختلفة، ويطرح تساؤلات حول معايير الاختيار والتقييم.
والأكثر أهمية أن الدولة عندما تفتح حوارًا حول مستقبل الإعلام، فمن الطبيعي أن تكون القامات الصحفية والإعلامية وأصحاب الخبرات المهنية في مقدمة هذا الحوار، لا أن يبدو المشهد وكأن الإعلام أصبح يُختزل في أصحاب الصفحات، بينما تظل المؤسسات الصحفية والإعلاميون المحترفون خارج دائرة الاهتمام.
فأين الصحفيون الذين أمضوا عقودًا في العمل الميداني والتحقيقات الاستقصائية؟ وأين رؤساء التحرير وأصحاب التجارب المهنية الذين واجهوا تحولات الإعلام عبر أجيال مختلفة؟ وأين الكتاب والمحللون الذين قدموا قراءات جادة للأحداث الإقليمية والدولية؟ وأين أصحاب المدارس الإعلامية الذين أسهموا في بناء أجيال من الصحفيين والمذيعين؟
إن هؤلاء لا يحتاجون إلى شهادة اعتراف من منصات التواصل، ولا إلى أرقام لإثبات قيمتهم، لكنهم يحتاجون إلى أن يكونوا جزءًا أصيلًا من أي نقاش جاد بشأن مستقبل الإعلام المصري.
ومن الخطأ أن نتصور أن تطوير الإعلام يبدأ من استدعاء أصحاب الجماهيرية الرقمية، بينما تظل أزمات الصحافة المهنية قائمة، ويظل الصحفي مطالبًا بمواجهة تحديات اقتصادية ومهنية وتكنولوجية كبيرة. فالإعلام لا يُبنى بتقديم الشهرة على الخبرة، ولا بإحلال الانتشار محل الكفاءة، وإنما بتطوير المؤسسات، وتأهيل الكوادر، والاستفادة من التكنولوجيا دون التفريط في قواعد المهنة.
كما أن جمع أعداد المتابعين في رقم ضخم لا يقدم وحده دليلًا على حجم التأثير الحقيقي، فالمتابع ليس بالضرورة قارئًا أو مشاهدًا دائمًا، والمشاهدة لا تعني الاقتناع، والتفاعل لا يعني الثقة، والانتشار لا يساوي بالضرورة المصداقية.
إن وزارة الدولة للإعلام مطالبة بأن تتبنى رؤية أكثر شمولًا، تفرق بين صانع المحتوى والإعلامي والصحفي والخبير، وتمنح كل دور حجمه الطبيعي، وتعيد الاعتبار إلى أصحاب الخبرة والتاريخ المهني، وتفتح المجال أمام حوار حقيقي يجمع الأجيال المختلفة بدلًا من تكريس انطباع بأن الشهرة الرقمية أصبحت بوابة الاعتراف الإعلامي.
فالمؤثر الحقيقي هو من يغير فكرة، أو يصحح مفهومًا، أو يكشف حقيقة، أو يضع قضية على طاولة النقاش، أو يترك لدى المجتمع معرفة تستمر بعد انتهاء المشاهدة. أما من يكتفي بحصد التفاعلات، فلا يمكن منحه صفة التأثير لمجرد أن صفحته مزدحمة بالمتابعين.
إن مصر بما تمتلكه من تاريخ صحفي وإعلامي ومدارس مهنية عريقة لا ينبغي أن تختزل قوتها الإعلامية في عدد الصفحات أو حجم الجماهير الرقمية. لديها من القامات والخبرات ما يؤهلها لقيادة خطاب إعلامي واعٍ ومؤثر، إذا جرى الإنصات إلى أصحاب الخبرة وإعادة الاعتبار لقيمة الكلمة المهنية.
فالتأثير لا تصنعه الأرقام وحدها، ولا تمنحه الصفحات لأصحابها، وإنما تصنعه القامات بما تمتلكه من علم وخبرة ومصداقية ومواقف. والفرق كبير بين شخص يعرف كيف يجذب الجمهور، وشخص يعرف كيف يبني وعيه.
وعفوًا معالي الزميل، إذا كنا نبحث عن إعلام قوي ومؤثر، فعلينا أن ندرك أن التأثير الحقيقي لا يبدأ من عدد المتابعين، بل من وزن العقل وقيمة الكلمة وتاريخ صاحبها. فالقامات تصنع الوعي، أما الصفحات فقد تصنع الضجيج، وبين الاثنين مسافة لا تختصرها ملايين المشاهدات.