عبدالرحيم عبدالباري
لم تعد حماية المال العام مجرد مهمة تقليدية تقتصر على مراجعة المستندات واكتشاف المخالفات بعد حدوثها، بل أصبحت اختبارًا حقيقيًا لقدرة المؤسسات على بناء منظومة رقابية تستبق المخاطر وتغلق منافذ الفساد قبل أن تتحول إلى وقائع يصعب تدارك آثارها، ومن هذا المنطلق، تتجه الهيئة العامة للتأمين الصحي إلى تطوير منظومة المراجعة الداخلية والحوكمة، عبر تعزيز أدوات الفحص والتحقق، وتوحيد منهجيات العمل الرقابي، وترسيخ ثقافة مؤسسية تقوم على النزاهة والشفافية والمساءلة.
وفي هذا الإطار، عقد الدكتور تامر مدكور، رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتأمين الصحي، اجتماعًا موسعًا مع مديري إدارات المراجعة الداخلية والحوكمة، لمناقشة سبل تطوير منظومة الرقابة المؤسسية، واستعراض أبرز أنماط المخالفات المالية والإدارية والفنية، ومظاهر استغلال السلطة أو الوظيفة لتحقيق منافع شخصية، إلى جانب بحث آليات اكتشافها والتحقق منها، ووضع منهجيات أكثر فاعلية للتعامل مع المخاطر، بما يعزز الانضباط الإداري ويحافظ على موارد الهيئة.
ولم يقتصر الاجتماع على استعراض صور المخالفات التقليدية، بل امتد إلى تحليل المؤشرات التي قد تكشف عن وجود خلل أو تلاعب داخل منظومة العمل، بما في ذلك تعارض المصالح، والتلاعب في المستندات والبيانات والسجلات، واستغلال الثغرات الإجرائية والتنظيمية، حيث جرى التأكيد على أهمية توظيف تحليل البيانات والمقارنات ورصد المؤشرات غير الطبيعية للكشف المبكر عن الانحرافات، وتحديد مواطن الضعف التي قد تسمح بوقوع المخالفات، وهو ما يمنح المراجعة الداخلية دورًا أكثر عمقًا من مجرد مراجعة العمليات بعد تنفيذها.
وشهد الاجتماع عروضًا تطبيقية قدمها مديرو الإدارات، تضمنت نماذج عملية لكيفية التعامل مع المخالفات في نطاق اختصاصاتهم، بدءًا من رصد مؤشرات الاشتباه واكتشاف الوقائع، مرورًا بالفحص المكتبي والميداني والتحقق من صحة المستندات والبيانات، وتتبع العمليات وتحديد المسؤوليات، وصولًا إلى توثيق المخالفات وإثباتها بالأدلة، كما تناولت العروض أهمية التمييز بين الأخطاء الإدارية والمخالفات وشبهات الفساد، حتى لا تختلط أوجه القصور غير المتعمدة بالوقائع التي تستوجب المساءلة، مع تحديد الإجراءات التصحيحية والوقائية اللازمة لمنع تكرارها.
ومن جانبها، أكدت الدكتورة تيسير عمران، مدير عام الإدارة العامة للمراجعة الداخلية والحوكمة، أن الاجتماع يستهدف رفع كفاءة منظومة المراجعة الداخلية وتطوير آليات العمل الرقابي، من خلال توحيد منهجيات الفحص والتحقق، وتبادل الخبرات والتجارب العملية بين الإدارات، والتعرف على مؤشرات الاشتباه وأنماط المخالفات ووسائل اكتشافها وإثباتها، مشيرة إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب تعزيز النهج الوقائي، وتحليل المخاطر ورصد أوجه القصور مبكرًا، ومتابعة تنفيذ الإجراءات التصحيحية، بما يضمن إحكام الرقابة الداخلية وترسيخ النزاهة والشفافية في مختلف قطاعات الهيئة.
ويضع الدكتور تامر مدكور تطوير منظومة المراجعة الداخلية والحوكمة في إطار أوسع يرتبط بالإدارة الرشيدة وحسن استغلال الموارد، مؤكدًا أن الرقابة الفاعلة لا ينبغي أن تنتظر وقوع المخالفة حتى تتحرك، وإنما يتعين أن تمتلك القدرة على تقييم الضوابط الرقابية، وكشف مواطن الضعف، واستباق المخاطر، وتعزيز الفصل بين الاختصاصات والمسؤوليات، إلى جانب تكثيف المتابعة وقياس مدى الالتزام بالقواعد المنظمة للعمل، بما يرسخ ثقافة مؤسسية لا تكتفي بمحاسبة المخطئ، وإنما تعمل على منع تكرار الخطأ وإغلاق أسبابه.
وفي ختام الاجتماع، وجه رئيس الهيئة بمواصلة تطوير أدوات وآليات المراجعة الداخلية والحوكمة، ورفع كفاءة الكوادر البشرية العاملة في مجالات الفحص والتحقق، وتعزيز التنسيق وتبادل المعلومات بين الإدارات، ووضع آليات واضحة لمتابعة تنفيذ الإجراءات التصحيحية والوقائية، مع التعامل الحاسم مع أي مخالفات يتم رصدها وفقًا للقوانين واللوائح المنظمة، مؤكدًا أن حماية المال العام وصون موارد الهيئة مسؤولية مؤسسية لا تقبل التهاون، وأن إحكام الرقابة على الموارد يمثل أحد المرتكزات الأساسية لاستدامة التطوير وتحسين مستوى الخدمات الصحية المقدمة لمنتفعي التأمين الصحي.