قبل الدخول فى دوامة البحث عن (مشجب) نعلق عليه الأخطاء أو ما فات علينا إدراكه سواء بخصوص السكة الحديد أو الحديد والصلب أو الإعلام .. أظن أنه من الواجب الإستماع الى إجابات شافية من أصحاب الخبرة والإختصاص .. وقبلهم أصحاب القرار طبعا ..
وإذا كان مصنع الحديد والصلب قد بدأت تصفيته رغم حقيقة الحاجة الى إنتاجه لتغطية مستلزمات البناء الجديد للصناعة فى مصر ومعها الطرق والكبارى والمصانع والمدن الجديدة وغيرها من المشروعات الهامة الجديدة أو القديمة التى يتم تجديدها أو تطويرها .. فإن الأمر مع الإعلام ربما يكون دليلا على أهمية الحذر فى كل عمليات التنازل عن ما نملكه بالفعل وربما لأسباب سرعان ماتثبت الأيام عدم جدواها أو على الأقل صحتها أو قدرتها على تحقيق المراد من تخلى الدولة عنها ..
فى حالة الإعلام .. بعد تركه فريسة لأصحاب رأس المال وفضائياتهم وصحفهم الجديدة ولكن سرعان ما عادت الأمور على ماكانت عليه من قبل أى سيطرة الدولة على وسائل الإعلام .. وذلك مع الشركة الجديدة وأفرعها التابعة للدولة كما يقول الناس فى الداخل والخارج دون أن يتم الإعلان عن ذلك صراحة .. وبالطبع كانت الأفضلية والسبق والإمتياز لها كصاحبة الإستحواذ والإنفراد الإعلامى والإعلانى بجانب العرض والتسويق طبعا ..
ومع ذلك فإن التغييرات الجديدة الأخيرة لابد أن تشير الى أن هناك أخطاء وحوادث ومجريات أدت الى ذلك الذى يتنافى مع ماكان يهدف اليه السيد الرئيس من ضرورة خلق أذرع إعلامية للدولة ومؤسساتها قبل أن يتولى الرئاسة أو بعدها .. وكلنا نتذكر ولا شك حديثه الشهير عن عبد الناصرالذى كان محظوظا بإعلامه ..
وهنا لابد من التذكير مرة أخرى بحقيقة ملكية الدولة لوسائل الإعلام أيام الرئيس عبد الناصر الى ماقبل نهاية عصر الرئيس مبارك بعدة سنوات التى تفحل وزادت خلالها ملكية وسيطرة القطاع الخاص ورجال الأعمال على وسائل الإعلام .. وبالتالى فالعودة الى ما سبق بسبب الحاجة الى التوافق بين الدولة وأهدافها فى مرحلتها الجديدة أمر مشروع ينبغى قبل إلقاء اللوم عليه تذكر ما أنتجه الإتجاه الجديد الذى تم التراجع عنه .. بعد التجربة العملية .. وهو أمر لابد من أخذه فى الإعتبار مع الشكوى العامة والنتائج الكثيرة التى أدت الى (معايرة) النظام السابق بما يسمى (زواج رأس المال والسلطة) فيما سبق والذى إمتد ضرره ليس فقط فى المجال الإعلامى بل غيره من المجالات الإقتصادية والتجارية والإجتماعية والصحية والزراعية وغيرها .. التى كان من أهم معالمها ظهور طبقة جديدة من المليارديرات وأصحاب الإحتكارات وأصحاب المناصب الحكومية العليا ورجال السياسة وغيرهم أصحاب المكانة والثروة بل والمدن الجديدة أحيانا وهو أمر لا أظن أنه أفضل كثيرا من مجتمع النصف فى المائة الشهير قبل ثورة يوليو 1952 ..
وإذا كان ما سبق لابد أن ينتج الوزير الفاسد والمحافظ المرتشى المدان بحكم محكمة وكذلك نائبة المحافظ ورؤساء الأحياء وكبار الموظفين وصغارهم ممن تلقى الرقابة الإدارية القبض عليهم بشكل شبه يومى تقريبا فإن الأمر ربما لن يكون أفضل من ذلك كثيرا فى مجال الإعلام الذى وإن كان الفساد فيه قديما يسمى تأدبا (الزيس) بل ويلقى القبض على بعض قياداته الحكومية المنفردة وقتها بالإعلام مثلا (الوكيل) والمذيع (دياب) و والمذيعة (أبو خزيم) وغيرهم فإن مانشر مؤخرا عن ملايين الخسائر المتحققة بل ومطالبة سينرجى لمخرج بمبلغ أربعين مليون جنيه وما بينهما من أحداث ووقائع أعلن أنها محل تحقيق كما نشر منذ عدة أسابيع قليلة ..
وفى الحقيقة لابد من الإعتراف بعدم تستر النظام على أحد وهو ما أكدته تغييرات الشركة المتحدة مؤخرا وكذلك جلوس تامر مرسى فى مقاعد الجمهور ليشاهد معهم الإعلان عن التغييرات التى من المفترض أن تعمل على تصويب المسار سواء بتوقيع مذكرة تفاهم مريبة مع تركى الشيخ أو توقيع بروتوكول غريب مع نقابة المهن التمثيلية دون أن يتطرق أحد الى التفكير ولو للحظات قلائل فى طبيعة تكوين وخلفية القادة الجدد والفرق بينهم وبين تامر مرسى نفسه .. فكلهم جاء الى عالم الإنتاج من عالم الدعاية والإعلان !! وكلهم بدون إستثناء لم يفكر أحدهم فى ضرورة الإستعانة بأصحاب الخبرة والممارسة والدراسة سواء للمجال أو حتى دراسة الجدوى الطبيعية اللازمة لتحقيق النجاح فى أى مشروع إعلامى أو صناعى أو تجارى أو زراعى .. حتى مأساة مسلسل أحمس الشهيرة وخالد بن الوليد لم تلفت نظرهم الى أهمية وضرورة وجود لجان للقراءة وضرورة الإستعانة بالمتخصصين فى التاريخ والإجتماع وغيرها من التخصصات التى بدونها يصبح الإنتاج (سمك لبن تمر هندى) وكلها أخطاء لم يقع فيها من سبقهم فى هذا المجال حتى ومن كانت خلفيته هى نفس خلفيتهم .. العملية ..
وإذا لم يكن كافيا الإستفادة من تاريخ وأساليب الإنتاج التليفزيونى والإعلامى عامة حتى أيام صفوت الشريف فإنه كان يمكن الإستفادة من تجربة عبد الناصر فى الخمسينيات وبالذات ماعرف وقتها بعنوان (أزمة المثقفين) والتى أظن أن التعامل معها أيامها بالجدية الواجبة التى تجمع ولا تفرق أو حتى تعاقب بخشونة أدى الى ما أصبح يسمى بثقافة ومسرح وسينما كتاب وقصور ثقافة .. الستينيات .. وهو درس آخر ماكان ينبغى إهماله إذ كيف يبنى الثقافة بدون مثقفين زمان مثلا وكذلك بدون مبدعين وإعلاميين هذه الأيام .. وهو ما أعتقد أن الرئيس السيسى كان يعنى بحديثه الشهير المذكور أعلاه عن عبد الناصر وإعلامه إبتكار مايفيد من خلال الأذرع الإعلامية التى لا تقل عنها .. الثقافية .. .. وهو مايعنيه تكراره أكثر من مرة فى لقاءاته بالشباب وغيرها من التجمعات وبالذات إشاراته عن دور الثقافة وقصور الثقافة والحرف البيئية والفن عموما .. و(والله حاتتساءلوا ) ..
وهنا يمكن أن ننتقل الى السكة الحديد والوزير .. إذا تذكرنا ما سبق وبالذات أنه لا يمكن بناء الثقافة بدون مثقفين ، أو بناء الإعلام بدون إعلاميين الذين لايمكن إستبدالهم بإعلانيين فإنه لا يمكن بناء السكة الحديد بدون (السكة حديديين) .. وأظن أن كامل الوزير قد وضع أصابعه فى الشق منهم وهو مايدل عليه تصريحه عن الإستعانة بإدارة أجنبية للسكة الحديد المصرية !
لا يمكن لمنصف إنكار ما تبذله الدولة والوزير لتطوير هذا القطاع الهام الذى كثيرا ماكنا نسمع عن حوادثه فى كل المراحل ومع كل الأنظمة من قبل وإن كانت قد زادت عن الحد هذه الأيام بصورة مفزعة ومثيرة للتساؤل عن أسبابها والمستفيد منها بينما الخاسر الوحيد هو الناس الطيبة فى بلادى .. وفى نفس الوقت لايمكن إنكار دور أصحاب المصالح الخاصة فى هذا القطاع الهام ممن تضررت مصالحهم بداية من تجار الكهنة والخردة وأعوانهم داخل القطاع وليس إنتهاءا بمن أصبح لزاما عليهم تحليل أجورهم ومكافآتهم ومميزاتهم من كل شكل ونوع .. وإذا أضفنا الى ذلك تهالك العناصر المادية بل والبشرية أيضا يمكن أن نلتمس العذر لطلب الوزير الإستعانة بخريجى الهندسة للعمل فى السكة الحديد ولا أدرى هل كان من يعمل بها من قبل من خريجى الزراعة أو الطب مثلا .. الحقيقة أن هذا ربما يكون نوعا من الإستجارة العلنية لوقف التهاوى العملى فى المنظومة الذى لا يمكن أن يستقيم وحده فى وقف المخاطر التى تمثلها الحوادث العبثية كالتى رأينا صورها فى خلع أطفال لقضبان السكة الحديد !! وهذا فى حد ذاته يمكن أن يكون دليلا على تخاذل العمد ومشايخ البلد بل وكثير من المحافظين فى حماية السكة الحديد ومرافقها وبالتالى المال العام من هذا العبث الذى قد يصوره البعض على أنه صبيانى فى حين أنه ونتائجه أهم وأخطر من ذلك وربما تستدعى محاسبة كل صاحب ولاية فى المنطقة التى يقع فيها الحادث الغريب ولو على طريقة (التجريدة) القديمة إذا لزم الأمر .. وأظن أنه يلزم .. حماية لأهل مصر وسمعتها ..
بإختصار .. الإستعانة بأهل الخبرة والإختصاص ضرورة وإستنبات عناصر جديدة شابة دارسة ومتخصصة أمر حتمى مع التعامل الواقعى مع المشاكل فى ضوء نتائجها للوصول الى مسبباتها الحقيقية حتى ولو كانت الكشف عن صناعها والمستفيدين منها .. ويبقى أن من لا يتعلم من دروس التاريخ .. ستعلمه الأيام والليالى والإحتياج الى ماتم بيعه ومعه .. الحوادث .. والخسائر .. ومذكرات التفاهم والمسلسلات .. الفاشلة .. التى لن يتغير حالها إذا ما تم السير على نفس المنوال السابق الذى فرض حتمية التغيير .. وأعنقد أن كامل الوزير قادر على ذلك فى ضوء ماعرف عنه من جلد وقدرة على الإنجاز .. طبعا بدون الحاجة الى التهديد بالإستعانة بأجانب لإدارة السكة الحديد ..