استطاعت الدولة في الفترة الأخيرة أن تمد يد المساعدة لكثير من الأسر التي يطحنها الفقر؛ وتطل من قسمات وجوهها المجهدة الحاجة الشديدة إلى أنفاس الحياة؛ ولعل في المبادرات الإيجابية التي أطلقتها الدولة كثيراً من الوجاهة في شمول تلك الجموع المعوزة بمعاشات التضامن الاجتماعي؛ ليتمتع المحتاج بالتكافل؛ ويشعر بآدميته؛ وليحيا الناس في كرامة تقيهم شر السؤال؛ وهو جهد وتوجه مثمن في كل الأوقات؛ وتشكر عليه الجهات التي تقوم على رعايته وتنفيذه.
وإذا كانت الدولة قد مدت يد الرعاية ومنحت غير المستحقين للمعاشات؛ معاشات تصرف لهم كل شهر؛ فهذا يعني أنها أنشأت شيئاً من العدم؛ وهي تقدم رعايتها لهؤلاء المحتاجين؛ ولكنها في ذات الوقت تغبن أصحاب المعاشات الأصليين حقوقهم؛ وتقطر عليهم تقطيراً؛ وتمن عليهم بمدخراتهم التي اقتطعت منهم وسددوها على مدى سنوات خدمتهم الطويلة؛ ولا يتناسب ما يتم صرفه من معاشات لموظفي الحكومة مع ظروف ومتطلبات الحياة؛ بل ولا يتناسب مع ما تم خصمه منهم في سنوات خدمتهم؛ بما يعني أنهم كانوا الممولين الأساسيبن لمعاشاتهم؛ ولا فضل لأحد عليهم في هذا الأمر؛ فهل يعقل مثلاً أن يكون معاش المدير العام؛ أو وكيل وزارة لا بتجاوز الألفي جنيه شهرياً؟!؛ هل يتصور عاقل ذلك؟؛ حيث إن المبلغ متواضع بشكل ملحوظ؛ وربما لا يصلح كمصروف جيب لطالب؛ أو لشاب صغير؛ فكيف بصاحب ذلك المعاش وهو رب أسرة في الأساس أن يدبر به حياته؛ ليدفع منه فواتير الكهرباء؛ والماء؛ والغاز المبالغ في تقدير قيمتها؛ فيجد أن المبلغ قد تبعثر معظمه في تسديد تلك الفواتير ولا يتبقى له – إن تبقى – إلا الفتات؛ ومطلوب منه في تلك الحالة أن يدير نفسه؛ فيأكل ويشرب ويدفع إيجار سكنه ومصاريف الأولاد والدراسة والعلاج والكساء وغيرها من المتطلبات الحتمية لاستمرار بقاء أي أسرة على قيد الحياة مما تبقى إذا كان هناك ما تبقى؛ فيجد أن ما بيديه قليل ومتواضع أمام البنود الكثيرة التي من المفروض أن يوفيها حتى يكون مستوراً أمام نفسه وأسرته والمجتمع المحيط؛ ولكنه من أسف يتعرى ولا يجد ما يستره من ذلك التعري في ظل أوضاع معيشية صعبة أكل فيها الغلاء المتوحش الأخضر واليابس؛ واذل أعناق الرجال.
وإذا كان أصحاب معاشات تكافل وكرامة يحصلون على حوالي 1200 جنيه شهرياً؛ وهم الذين لم يدفعوا من قبل أي مقابل أو اشتراك؛ فكيف يكون معاش من دفع وادخر لا يتجاوز الألفي جنيه مع الوضع في الاعتبار أن معظم من ينتمون إلى طائفة تكافل وكرامة لهم مصادر دخل أخرى؛ ومنهم من يكذب على الحكومة طمعاً في المعاش الذي لا يستحقه على الإطلاق؛ في حين أن معظم الموظفين الذين تقاعدوا لا عمل لهم في ظل سوق عمل طارد؛ فلا تتوفر لهم فرص عمل أو يستفاد من خبراتهم حتى يستطيعوا مواجهة أعباء الحياة؛ وبدلاً من أن تكون سنوات الموظف في المعاش سنوات رخاء وهدوء وسلام تكون مع الأسف حياة غم ونكد وتكدير من كل ما يحيط بهم من احباط؛ وهنا لابد من التنبيه إلى أن الدولة إذا كانت قد مدت يد العون وأنصفت فئات كثيرة من المعوزين والمحتاجين وشملتهم بمعاش تكافل وكرامة؛ فلا أقل من أن تمد يدها إلى أصحاب المعاشات الأصليين بعين الانصاف؛ ويعاد النظر في المبالغ التي يتم صرفها؛ والتي لا تختلف تقريباً عن معاش تكافل وكرامة في قيمتها؛ لأن أرباب المعاشات خدموا البلد؛ واقتطعت من مرتباتهم الشهرية المبالغ المستحقة للتأمينات والمعاشات؛ فلا أقل من أن تكون قيمة المعاش مناسبة لظروف المجتمع؛ وأسعار السلع الأساسية التي لا غنى عنها لكل بيت.
كما أشير إلى أنه من غير المعقول أن آخذ من فقير لأعطي فقيراً آخر؛ لأنني باختصار سأحول هذا الفقير الذي أخذت منه إلى معدم؛ فتزداد أعداد الفقراء؛ وهو أمر عجيب أن آخذ من الفقير لأعطي الأفقر ولا أقترب من الأثرياء الذين إن طلوا على الناس طلوا من خلال مبادرات فضائحية؛ تعري الناس؛ وتكشف حاجتهم وفقرهم؛ وهو أمر مخجل أن تتم المتاجرة بحاجة الناس مقابل تبرع من هذا الثري أو ذاك؛ لصنع حالة من الوجاهة الاجتماعية على حساب كرامة أناس كل ذنبهم في الحياة أنهم ولدوا فقراء ولكنهم ظلوا شرفاء؛ كما لا أجد تفسيراً منطقياً لمثل تلك الأفعال التي ربما هي شر أريد به خير؛ إذ كيف أفعل الخير وأقدم المساعدة لفقير وبدلاً من ستره أقوم بتصويره تليفزيونياً وتعريته أمام الجميع؛ ولا يختلف المانحون أو المتبرعون في سلوك مثل ذلك المسلك؛ سواء أكانوا أفراداً أو كيانات.
مشكلتنا في مصر وخصوصاً في هذه الآونة أننا صرنا نحب التباهي والتعالي؛ فمن رزقه الله ويسر له شراء سيارة تراه وقد اغتر على غيره؛ وأراد أن يدوس بها المشاة الذين كان بالأمس واحداً منهم؛ وقس على ذلك صنوفاً من الناس تتصرف بالمنطق نفسه كل حسب مجاله؛ فصاحب الثروة المالية تراه وقد أصبح فرعونا يريد أن يسبح الناس بحمده!
إن الدولة بإصرارها على ملاحقة الفقراء ومحاصرتهم بالضرائب والأسعار تزيد من الفقر ولا تعالجه؛ وهي أشبه ما تكون هنا بمن شيد أكاديمة لصناعة الفقر بدلاً من علاجه!