تتفق مع ما أكتب أو تختلف، تحبُ الرجلَ أو لا تُحبه، يظل الأزهري اللغوي محمد عبد المقصود أبو نعمة ظاهرة تستحق الدراسة والبحث، إذ كان كما أراد هو، لا كما أرادتْ ظروفُ الحياة بقسوتها وشدتها .
في بيئة فقيرة، لم يهتم أفرادُها بالتعليم، إذ كان شغلُهم الشاغل، الخروج مع طَلعة الشمس لغطستها للعمل بالفلاحة لتوفير خبز بلا (غموس)، نشأ الرجل، يحدوه أملُ الخلاص من حياة الفقر والشقاء، والري والزرع والحرث انتظارا لعائد زهيد لا يكافئ ما بُذل من جهد وعرق، وهو ما يؤكد أن أغنية محمد عبد الوهاب : ( مَحلاها عِيشة الفلاح )، كانت علي خلاف الحقيقة !
فكرَ الطفل محمد عبد المقصود، فوجد أن الحل في الالتحاق بالأزهر، عساه أن يصير (خوجة) بأحد المدارس أو واعظا يتقاضي راتبا يعينه علي مرارة الأيام وقسوة الليالي، ويفر به أيضا من لفحة شمس الظهيرة وسط الحقول، حيث لا يوجد (صريخ) ابن يومين .
التحق محمد عبد المقصود بالأزهر، وأتم سنوات دراسته الأولي بنجاح، ليلتحق بعدها بكلية أصول الدين ليجتاز سنوات الدراسة بمعاناة لجمعه بين الدراسة والعمل؛ لتوفير مصاريف الدراسة والكتب، وبعد جُهد أنهي دراسته ليلتحق بسوق العمل، ويرفع الحمل عن كاهل والديه، اللذين جاعا ليكمل الابنُ دراسته .
عمل محمد عبد المقصود في حقل التدريس، فكان مُدرسا من طراز فريد، يُجيد الشرح والتفسير، ويبرع في توصيل المعلومة، استنادا إلي حصيلته العلمية واللغوية، التي حصَّلها بمراحل تعليمه المختلفة .
بزغ نجم الرجل، وذاع صيته، معلما فاهما، ومدرسا حاذقا، لا يستعصي عليه درس، ولا تقف في طريقه جملة، ولا يغيب عنه معني.
ساعدته تلك المقومات جميعا ليمارس دور الخطابة إلي جانب عمله بالتدريس، فصار خطيبا يهتز له منبر مسجد (الراس)، الذي توافدت عليه جموع المصلين للاستفادة من علم الرجل وفقهه، وبراعته في سوق القصص والآثار، واستخراج الدروس والعبر، بلغة فصيحة لا يعتريها لحن أو خطأ .
عرفتُه أول ما عرفته مديرا لمدرسة إمياي الإعدادية المشتركة، فكان نموذجا للانضباط والحزم، لا يُحابي مدرسا علي آخر، ولا يُميز طالبا عن غيره، فالكلُ عنده سواء، ورغم احترامه لقوانين العمل ولوائحه إلا أنه كثيرا ما كان يُطبق روح القانون مراعاة لمصلحة زملائه وطلابه .
كنتُ شغوفا باللغة العربية، مُعجبا بفصاحة الرجل، وطلاقة لسانه، وإلمامه بقواعد النحو والصرف بل والعروض أيضا .
في إحدي مسابقات أوائل الطلبة بين فصول المدرسة، ترأس الفقيدُ محمد عبد المقصود أبو نعمة لجنة التحكيم، فكان أول من يلفت أنظارنا إلي ما يسمي بفلسفة النحو، إذ سأل عن إعراب كلمة (تستقيم) في عبارة : لابد أن تستقيم، وتأتي الإجابة كما علمنا مدرسونا بأنها فعلٌ مضارع منصوب بالفتحة، فيُصر أن الإجابة خطأ، فيجادله زملاء لجنة التحكيم مؤكدين أن الإجابة صحيحة، فيعترض، ويوجه إليَّ السؤال لتخرج الإجابة من فمي بـ(ضربة حظ) بأنها فعلٌ مضارع منصوب بأن وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة لأنه صحيح الآخر، ليقوم ويحتضنني، ثم يُبين للجميع أن عامل النصب هو أن وليس الفتحة، وأن الفتحةَ أثرٌ من آثار هذا العامل .
الأستاذ الشيخ محمد عبد المقصود أبو نعمة نموذجٌ بارز من نماذج الثبات علي الرأي، حتي ولو كلفه ذلك حياته، وهذا ما حكاه لنا آباؤنا مؤكدين أنه حُبس في زهرة شبابه، لأنه لم يستجب لضغط أحد ضباط الشرطة، الذي أراد إرغامه هو وأقرانه علي التلفظ بكلمة تجعلهم محل سخرية واستهزاء، فأذعن الجميع وثبت هو علي موقفه.
محمد عبد المقصود أبو نعمة كان حتي موته رمزا للشياكة، والأناقة والملابس المنشاة، كما كان زينة المجالس العُرفية، حريصا علي قول الحق، لا يخشي فيه لومة لائم، ولا ينحاز مطلقا لغني علي حساب فقير، ولا لذوي نفوذ وعزوة علي حساب أبتر لا سند له ولا عون .
رحل الرجلُ عن دنيا الناس وترك سيرة تُدرس في قوة الشخصية والثبات علي الحق مهما كانت العواقب .