حاولنا في هذا المقال وببعض الكلمات الموجزة أن نُجمل الغرض الأساسي الذي كُتِبَتَ من أجله قصص “ألف ليلة وليلية” ولا يخفي علينا نحن المصريين أن هذه القصص قد شاهدنا جزءً منها على شاشة التلفاز من خلال عمل درامي، ولكننا نظل عند موقفنا وهو أن العمل الدرامي مهما بلغ ما بلغه من العلو والقيمة يبقى النص المكتوب له رونقه وروعته الأثيرية على غرار العمل الدرامي أو السنيمائي. لذلك أدعو من يمتلك كتاب “ألف ليلة وليلة” في مكتبته أن يقرأه حتى وإن قرؤه من قبل فليُعيد قراءته من جديد، فهي قصة لها نصيب من القيمة التراثية والتاريخية. والآن سنقوم بعمل مسح مُوجز لِمَا كُتِبَ عن هذا الأثر الشعبي النادر، وجودًا، ونصًا، وقيمةً.
«ألف ليلة وليلة» هو كتاب يتضمّن مجموعة من القصص التي وردت في غرب وجنوب آسيا بالإضافة إلى الحكايات الشعبية التي جُمِعت وتُرجمت إلى العربية خلال العصر الذهبي للإسلام. يعرف الكتاب في اللغة الإنجليزية كذلك بمسمى «الليالي العربية»، منذ أن صدرت النسخة الإنجليزية الأولى منه سنة 1706م.
ما هو شائع في جميع النُّسخ الخاصة بالليالي هي البادئة، القصة الإطارية عن الحاكم شهريار وزوجته شهرزاد، التي أدرجت في جميع الحكايات. حيث إن القصص تنطلق أساساً من هذه القصة، وبعض القصص مؤطره داخل حكايات أخرى، في حين تبدأ أخرى وتنتهي من تلقاء نفسها.
يعمل أسلوب سرد حكايات «ألف ليلة وليلة» على دفع المتلقي إلى زمنٍ قديم، لذلك كان استخدام صيغة «يُحكى» والتي تعقبها عبارة «والله اعلم بغيبه وأحكم» تعتبر صيغة للتخلص من تبعات نقل النص وسنده ومتنه، بخلاف كتب الحديث والأدب والتاريخ التي اعتنت بهذه الأمور. إذ أن العمل يعتبر نص أدبي متخيل ومصنوع حيث يحمل بين طياته الكثير من الموقف والرؤى والاتجاهات، وباعتباره متخيلاً فإن هذه المواقف هي انعكاس لوجهة نظر منتج النص، لذلك كان الراوي المصطنع وسيلة للتخلص من هذه التبعية حيث يلقى له مهمة السرد والحكي، فلذلك وجِدت صيغة «يحكى أن» التي تحيل إلى المجهول الذي يتحمل كافة المسؤولية عن كل ما سيقال ضمن النص المروي.
تبدأ حكاية «ألف ليلة وليلة» على المستوى السردي براوٍ مجهول، جرى تحميله مسؤولية ما سيقال، لذلك كانت «يحكى أن» الأنسب للحيلولة دون أن تلقى المسؤولية على شخص ما. فالفعل يحكى عبارة عن فعل مضارع مبني للمجهول وفاعله غير معلوم، وهذا تمهيد ليتحول السرد إلى راوٍ آخر، ولكن ضمن الإطار الداخلي للنص أو القصة التي يعتبر ساردها الكلي غير معلوم. فشهرزاد تتخذ على المستوى السردي دورين، دور السارد الداخلي القائم بمهمة السرد، ودور الشخصية المشاركة في الحدث. إذ أن الحكاية الأولى من حكايات شهرزاد، تتم عبر راوٍ خارجي وهو الراوي المجهول، حيث تبدأ الحكاية بعبارة: “قالت شهرزاد: بلغني أيها الملك السعيد أنه كان تاجر من التجار …”، فأسلوب السرد هذا يشير إلى أن هناك شخص آخر يتحدث، ولكنه سرعان ما يختفي عندما يظهر صوت شهرزاد تقول: “بلغني أيها الملك السعيد” لينتقل السرد على المستوى العملي إلى شهرزاد. إن السرد الذي تمارسه شهرزاد بعناية وحذر شديدين يعتبر سرد خطير، لأنه يحمل بين طياته موتها الحتمي، ما لم تتمكن من جذب انتباه الملك شهريار إلى حديثها، لذلك فهي تلجأ إلى عبارة «بلغني» وهذه العبارة تخلص شهرزاد من تبعات ما تقول إذ لم يعجب الملك حديثها.
كما أراد «الراوي» أن يُرسل / يوجه للقارئ ثلاثة قصص وبداخل هذه القصص مراده، وهم:
– القصة الأولي «شهريار وشاه زمان» وبها يظهر مراد «الراوي» وهو عدم التسرع أثناء مواجه موقف ما، والهدوء في اتخاذ القرار. علي العكس من فعل شهريار وشاه زمان.
– القصة الثانية «قصة الجنية» وبها تظهر السلطة والإجبار، أي إجبار شخصًا ما على فعل ما لا يريد تحت تهديد معين أو سلطة ما.
– القصة الثالثة «الزواج كل ليلية بفتاه بكر» بها يجسد «الراوي» الانتقام أي انتقام شهريار والنصية أو الحكمة أي نصيحة الوزير لأبنته شهرزاد والمثقف / الثقافة تجسدها شهرزاد.