في تجمع مهيب ضم رؤساء دول ووزراء ومفاوضون،ورؤساء بلديات وممثلي للمجتمع المدني ورؤساء تنفيذيين من معظم دول العالم ، إنعقد في مدينة شرم الشيخ بالغة التأنق المؤتمر السابع والعشرون للأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ ( COP 27 ) لاتخاذ إجراءات بشأن مجموعة من القضايا الحاسمة لمعالجة حالة الطوارئ المناخية – بداية من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري ، وكذا بحث القدرة على الصمود و التكيف مع الآثار الحتمية لتغير المناخ، وصولًا إلى الوفاء بالتزامات تمويل العمل المناخي في البلدان النامية. والعمل علي تسليط الضوء علي أهمية استثمار العالم في الطاقة المتجددة، ودعم جهود التكيف المنقذة للحياة، ومعالجة المحن المتفاقمة للمجتمعات التي تعاني. الخسائر والأضرار الناجمة عن الآثار المتزايدة لتغير المناخ.
وبما أنني أومن بالتخصص ، فإني أترك للمتخصصين بيان أهمية ذلكم المؤتمر بالغ الأهمية العلمية والسياحة لمصر ، فقط أود أن أشير إلي أن المؤتمر أوحي إليي بأمنية ليتها تحقق ، ألا وهي تنظيم ( مؤتمر بشأن تغير المناخ الأخلاقي ) يبحث مجموعة القضايا التي أثرت في المناخ العام القيمي بشكل أدي إلي إنبعاث غازات الهمجية وقلة الذوق العام واضمحلال قيم المرؤوءة والشهامة والأخوة والجيرة ، ومعالجة المحن المتفاقمة من جراء إرتفاع معدلات التفتت الأسري وزيادة معدلات الطلاق بشكل مخيف .
والتصدي للتغيّـرات التي يشهِـدها المجتمع ، والتي كانت لها آثاراً كبيرة علي سلوكِـيات المواطنين ومنظومة القِـيم والأعراف الحاكمة لسلوكيات المجتمع .
مؤتمر يجيب بشكل واضح وصريح عمّـا حدث في منظومة القِـيم في المجتمع المصري، فرغم أنه “شعب بالغ التديُّـن، إلا أنه يفصِـل بين المعاملات والعِـبادات، لدرجة انتشر معها الفساد الصغير، ليشكِّـل ظاهرة حتي غدي سلوكاً يومياً.
مؤتمر يسلط الضوء علي ذلك التدين الشكلي الذي لا يمَـس جوهر الدِّين الحقيقي والمُـعاملات بين الناس. فالبعض يتصوّر أن التديُّـن يعني ارتِـداء ما يُـسمي بالزيِّ الإسلامي أو إطلاق اللحي أو المبالغة في أداء العِـبادات، بينما أن التديُّـن الحقيقي لابد أن يمتدّ إلى السلوكيات من رفض كل مظاهر الفساد بكل صوره وأحجامه وألوانه .
مؤتمر يلفت النظر وبشدة ، إلي أن المنظومة القيمية في المجتمع شهدت تغيُّـرات كثيرة، حيث صارت القيم كلها قِـيَـما مادِية، وقلّـت المعايير الروحية بين الناس، فأثرت في منظومة المصلحة العامة ، بحيث تبين بما لا يدع مجالاً للشك زيادة حالات الأنانية والمصلحة الذاتية ، فظهرت حالات كثيرة للكسْـب المادّي السريع حتي ولو كان علي جثث الغير ، لاسيما الضعفاء والفقراء والمحتاجين.
.
مؤتمر يوضح بشكل جلي أن الأسر مقصرة بشكل كبير في مهمة التربية لأفرادها . لا سيما الأطفال والشباب لدرجة أن الناس مهتمة بأشياء كثيرة أكثر من اعتناءها بأولادها ، وفي نفس الوقت لا تقوم المدرسة بدور ملحوظ في ذلك ، حيث اقتصر دورها على تلقين المواد الدراسية وفقط ، في الوقت الذي يجب عليها أن تُـمارس دوراً أكبر في تعليم التلاميذ السلوك الحَـسن والصِّـدق والثقة في الحياة، لاسيما أننا نعيش في مجتمع يجِـب أن نتفانى في خِـدمته وننكِـر الذّات في سبيله. فليس منطِـقيا أن يردِّد المُـدرِّس شِـعارات الصِّـدق والأمانة والإخلاص في العمل أمام طلاّبه، ثم يطالِـبهم بأن يحصلوا لديه على درس خصوصي!!
مؤتمر يضع دور للأحزاب ( حتي وان كانت ضعيفة ) والأندية و منظمات المجتمع المدني بجانب مؤسسات الدولة المعنية بالتأهيل والتعليم والتربية والتوجيه ، في علاج منظومة الخلَـل الاجتماعي ، فهناك نماذِج عديدة لجمعيات مؤهلة للقيام بهذا الدور مثل الجمعيات الفِـكرية والثقافية التي يقوم بتكوينها مجموعة من أفراد، تجمعهم ثقافات ومُـيولات واحدة، وهناك الجمعيات الشرعية أو الدِّينية، سواء الإسلامية أو القبطية، وهذه هي الأهَـم لكونها الأقرب إلى المواطن، والمسؤولية المُـلقاة على عاتقها كبيرة، بشرط أن تسعى إلى تقديم نماذِج صالِـحة للتطوّع، وأن تعِـي جيِّـدا أن نشاطها قائم على خِـدمة المجتمع وبثّ القِـيم الاجتماعية وتقديم نماذِج جيِّـدة للمواطن .
مؤتمر يبين خطورة استشراء قِـيم النِّـفاق والوصولية والنفعية والتواكل والصعود على أكتاف الآخرين، وهي الصِّـفات الغالبة. وغدا التّـفاني في العمل أو العِـلم والابتكار ، من الأمور غير المرحَّـب بها.
مؤتمر يشير إلي انتفاء قيمة الخَـير والحُـب، إذ أصبح الخير والسّـعي إليه والعمل على تحقيقه للآخرين من الأمور النادرة، وكأنه أصبح معقودا على الذات فقط. فكل شخص يتمنّـى الخيْـر لنفسه ولذَويه فقط. فإذا كان بمقدوره أن يُـساعد الآخرين فيه ويوفِّـره لهم، ضـنّ به وبخل على تقديمه، حتى لا ينعم الآخرون به!!
مؤتمر يبين ويكشف عن تراجع قيمة القُـدوة، إذ أصبح الناس يفتقِـدون النموذج الذي يقتَـدون به، خصوصا في ظِـل انتشار اخبار وتحركات أصحاب الكلبات الهابطة أو المطرودين من المحلات والمنتديات العامة ، لعمري ، أن من يقوم يقوم بنشر تحركات عامل الزبالة وإشاعة أنه في طريقه لتقديم برنامج او العمل بالتمثيل أو الغناء أو غيرها من الأعمال ، أنه ليضرب البلد في منحرها ، هذا من ناحية ، ومن ناحية أخري ، فإن الاهتمام بأخبار التوافه وإنصاف المتميزين ، يضر بالوطن ضررا بالغا ، لاسيما وأن المواطن المصري مرتبِـط منذ عصور الفراعنة بفِـكرة الشخصية «الكاريزمية» المُـوحية والمؤثرة، فإن شُـيوع تلك النماذج سيكون له تأثيره السّـلبي المباشِـر على قِـيم الأجيال الجديدة.
مؤتمر يوضح تراجُـع قيمة الأسرة، التي أصبحت تواجِـه خطر التفكّـك في ظل غياب التّـراحم وزيادة مؤشِّـرات الفردية والأنانية والاستغراق في المظهرية والتطلّـعات الشخصية.
مؤتمر يوضح تراجع قيمة الانتِـماء للوطن، إذ أصبح المواطن المصري يعيش في جزيرة منعزِلة مستقلّـة عن الوطن، يشعُـر بوِحدة غريبة وانكفاء على الذات، وذلك لزعمه بأن الدولة تهمشه ، ولذلك لم يعُـد غريبا أن تتزايد معدّلات الهِـجرة إلى الخارج وأن يغامر الشباب بالتسلّـل عبر الحدود والتعرّض لمخاطر ركوب البحر واحتمالات الغرق، لكي يصِـلوا إلى الشواطئ الأوروبية، التي يحلمون بأن يحقِّـقوا بعض أحلامهم على ضِـفافها.
مؤتمر يرصد ظهور مؤشِّـرات الاختلال الاجتماعي غير المسبوق في الحراك الاجتماعي ، نتيجة إرتفاع دخول الحرفيين في مقابل مرتبات النخب من الأطباء والمدرسين والدعاة وغيرهم من الكفاءات ، الأمر الذي أحدث تقلبات عنيفة في المركز النسبي للطبقات ، أدي بما لا يدع مجالاً للشك إلى بروز التعالي والأنانية في المجتمع ، حين زادت السيولة النقدية في أيدي طائفة معينة من المجتمع ، سكنوا المدن الجديدة دون غيرهم من أصحاب الكفاءات العلمية ، الأمر الذي أدى إلي اهتزاز قِـيم العلم والتميز والتفوق ، وأسهم في الهِـجرات للخارج لزيادة الدخول ، من أجل الحفاظ علي موقع في السُلَّـم الاجتماعي.
مؤتمر يبين ضرورة تغير المناخ الثقافي لمجابهة تدهْـوَر لُـغة الخطاب التي دخلت عليها مفردات مُـبتذلة ، فضلا عن المياعة السلوكية عند الشباب في الكلام والملبس الممزق والسمت العام من القدمين حتي الشعر المضفر.
مؤتمر يوضح التغيرات في الشخصية المصرية خلال العقود الأخيرة، بسبب التحوّلات الجذرية التي طرأت على بِـنية المجتمع، حتى أنها أصبحت أكثر سَـلبية وعُـدوانية، وصارت أقلّ ثِـقة بالنفس وأكثر اعتمادا على الآخرين ولجأت إلى تضخيم الذّات والمبالغة في التّـعبير عن المشاعر، ناهيك عن التَّـمركُـز حول الذّات وعَـدم المُـثابرة في تحصيل الأقوات ، مع الاستسلام للشكوي ، والعيش كنف المظلومية .
مؤتمر يجيب بوضوح ، عن الخلل الذي أصاب الإنسان
المصري في كل جناباته ، ويبين السبيل لعلاج ذلك .
مؤتمر يهدف لتقليل حجم المخاطر الإجتماعية التي تتعرض لها الأسرة المصرية ، ويعمل على تقليل استخدام الطلاق الذي يتسبب في زيادة إنبعاث المشكلات في الغلاف الجوي للمجتمع . مع العمل علي توفير الدعم المناسب للأسر الفقيرة للتكيف مع تبعات التغير المناخي الإجتماعي ، من خلال صناديق تقام لذلك الأمر ، مثل صندوق تحيا مصر.
مؤتمر يشحذ همم أصحاب رؤوس الأموال والأغنياء لتوجيه جزء من أموالهم لدعم المستشفيات الحكومية المتخمة بإعداد باهظة من المترددين عليها من أصحاب أمراض كثيرة يأتي من بينها الأمراض الصدرية وصعوبة الاستنشاق ، ويلفت النظر إلي الوحدات الصحية بالقري والتي تمتلك بنية تحتية جيدة دون الأمور اللوجستية للقيام بهذا الدور ، مكتفية بدور صغير في مجال التطعيمات ( رغم أهميتها ) .
مؤتمر يعمل علي تسريع العمل المناخي الإجتماعي في مواجهة إرتفاع المهور وتكاليف الزواج والذي يقصم ظهور أكبر الأسر ، ثم تأتي المشكلات الأسرية ( لا سيما الصغيرة والتافهة منها ) كفيضان أو إعصار يقضي علي كل ذلك ، ويحوله إلي أشلاء روبابيكية تشغل البيوت ، إن لم ترمي فوق الأسطح!!
مؤتمر يبين : أن الوقت قد حان للانتقال إلى “حالة الطوارئ ” في مواجهة تدني الأخلاق وزيادة معدلات البلطجة ، والمخدرات والاحتكار والغلاء الذي يجعل الأسر الفقيرة أكثر عرضة للآثار الضارة للتغير المناخي الإجتماعي .
تبقي كلمة:
أزعم أن الطاقة المتجددة ، والمحيط الأخضر ، ودعم جهود التكيف المنقذة للحياة الآدمية ، ومعالجة المحن المتفاقمة للأسر والمجتمعات التي تعاني المشكلات والأضرار الناجمة عن الآثار المتزايدة لتغير المناخ الإجتماعي ، تكمن في قيام مؤسسات الدولة المعنية بدورها كما يجب في هذا الإطار وكذا الأسر ودور التعليم والتوعية وكل فرد حسب حجمه وظروفه ، بدعم المنظومة الإجتماعية المنضبطة علي بوصلة الدين ، حتي ننأي ببلدنا بعيدا عن مغبة الدخول في حزام الأعاصير والفيضانات التي تدمر الكيانات البشرية وتحولها إلي غابة أشباح ، يأكل قويها ضعيفها ويعيش أفرادها بشكل همجي يكونوا فيه أقرب إلي عيشة بعض الحيوانات .