هناك أشياء كثيرة قد تتشابه فيها الدول والشعوب، لكن يبقى للعيد في مصر مذاق خاص لا يشبه أي مكان آخر. فبمجرد أن تقترب أيام عيد الأضحى، تشعر أن البلد كلها ترتدي ثوبًا جديدًا، وأن الشوارع والبيوت والقلوب تستعد لحدث استثنائي يتكرر كل عام، لكنه يظل محتفظًا بسحره وكأنه يحدث للمرة الأولى.
السر ليس فقط في صلاة العيد التي تجمع الآلاف في الساحات والمساجد، ولا في فرحة الأطفال وهم يرتدون ملابسهم الجديدة، ولا حتى في رائحة الشواء التي تتسلل من البيوت والشرفات لتعلن بدء الاحتفال.
السر الحقيقي يا صديقي يكمن في التفاصيل الصغيرة التي لا يلاحظها كثيرون.
في مصر، يبدأ العيد قبل موعده بأيام. الأسواق تزدحم، والجزارون يعملون لساعات طويلة، والناس تتبادل السؤال التقليدي: “الأضحية رسيت على إيه؟”.
أما الأطفال فيعيشون حالة من الترقب الجميل، ينتظرون العيدية وكأنها مشروع استثماري كبير سيغير مستقبلهم المالي لساعات قليلة على الأقل !!
وفي صباح العيد، تتحول الشوارع إلى لوحة اجتماعية فريدة. الجيران يتبادلون التهاني، والأقارب يتنقلون بين البيوت، والهواتف المحمولة تعمل بأقصى طاقتها لنقل المباركات والصور والضحكات.
أما المائدة المصرية في العيد الكبير فلها حكاية أخرى. فهناك من يرى أن الفتة ليست مجرد طعام، بل طقس رسمي لا يكتمل العيد بدونه. وهناك من يعتبر أن أول يوم في العيد هو اختبار حقيقي لقدرة المعدة البشرية على التحمل بعد كميات اللحوم التي تظهر فجأة وكأنها في مهمة وطنية !!
ورغم تغير الزمن، وتطور التكنولوجيا، وانشغال الناس بضغوط الحياة، يبقى العيد في مصر مناسبة قادرة على إعادة اكتشاف المعاني الجميلة التي قد ننساها طوال العام، مثل صلة الرحم، ولمّة الأسرة، والضحكة الصادقة، والزيارة المفاجئة، والدعاء الطيب، كلها تفاصيل بسيطة لكنها تصنع الفارق.
ولهذا نقول دائمًا إن مصر في العيد الكبير “حاجة تانية”. ليس لأنها الأغنى أو الأكثر احتفالًا، بل لأنها تعرف كيف تحول التفاصيل الصغيرة إلى ذكريات كبيرة، وكيف تجعل من مناسبة دينية عظيمة مهرجانًا للمحبة والبهجة والتراحم.
فالسر في النهاية ليس في العيد نفسه… السر في المصريين الذين يمنحونه هذه الروح الخاصة التي لا تخطئها العين، ولا ينساها القلب.