رصدت ورصد غيري : أن معظمنا ( وليس الكل ) قد ترك منذ مدة طويلة كل شيء يدعم ثقافة الإخوة ويقوي اللحمة المجتمعية ، وتوجه نحو تخريب عاطفة الأخوة والقرابة والجيرة والزمالة والصداقة الموجودة بيننا بمهارة تفوق مهارة المنتخب الألماني لكرة القدم في تخريب سمعته وتاريخه بأفعاله القبيحة وميوله المشينه !!
أعتقد أنه تخريب ظاهر وواضح للعيان والعميان علي السواء ! فليس خفي علي أحد ما تلاقيه القيم المجتمعية من تحدي وتعدي سافر ، أضر بها في مقتلها ، وعرضها للضعف والهوان ، وأودي بها إلي ضعف عام ، يمثل خطرا داهما يعترض بقائها !
ألم ننتبه بعد إلى أننا نهلك أنفسنا بأيدينا ؟ ألم نلاحظ أن جميع مشاعرنا وأفكارنا وسلوكنا إرتبطت بأحاسيس العداوة والبغضاء؟
لماذا نقوم ونقعد بهذه المشاعر ونتنفس مشاعر الخصام، بينما نحن في حاجة ماسة إلى دفء الأخوة والصداقة والجيرة والزمالة والقرابة والمصاهرة !
ليتنا استطعنا الحفاظ علي الإرث الاجتماعي الذي ورثناه من أيامنا الخوالي ،أيام الأسر والبيوتات المتماسكة ، ولكن هيهات !! ولو كان بإمكاننا المحافظة عليه لستطعنا تجاوز كل المشاكل والعقبات الكبيرة والضخمة ضخامة الجبال بجلسة واحدة أو بالأحري بكلمة واحدة ، ولكن الآن تجلس الأسر مئات الجلسات من أجل حق تافه للغاية ، ولكننه مؤجج العدواة في ظل أجواء متوترة وأحاديث جافة وتطاولات ليس لها أي داع ، وأصوات نسائية عالية تنتهي بها جل الجلسات !!
رحم الله أيام كانت تنتهي بها جل الخصومات بين اعتي الأسر وأقواها ، بل وأفجرها ، في ساعات قليلة ، بينما الآن تمضي لجان الصلح الأيام العديدة لرأب صدع علاقة شقيق بشقيقه شهر كامل ، إن لم يزد ، من أجل ثمن سهم أو سهمين أو جدار مشترك أو حق لا يتعدي المئات من الجنيهات!
لماذا أصبح بعضنا أعداء للبعض الآخر ومصدر همّ وغمّ؟ لماذا يضرب بعضنا البعض الآخر من ظهره في ظهره؟ لماذا تَحوّل كل منا إلى شخص عدواني يعتدي علي الآخر في حاضره وغيابه ؟،لماذا كل منا يقوم بتشويه سمعة الآخرين حتي سرنا أسارى نواقصنا ؟ لماذا غدي الأشقاء يتفنن أحدهم في هدم الآخر ، حتي أصبحوا وكأنهم ليسوا أبناء أسرة واحدة وبطن واحدة ومائدة واحدة ،لدرجة ان يصل بهم الأمر أن يعيشون أسرى في شباك الاختلاف والتساقط، ويموتون وهم أعداء ، بل ويورثوا العدواة من بعدهم ، والأنكي أنهم يوصون بها !؟
لا أدري، ألم يَحِنْ بعد أوان محاسبة أنفسنا كأشخاص وأسر وعائلات ومجتمعات ؟ لأنه إن استمر عدم الإحساس هذا ، فإنني أخشى -لا سمح الله- أن تنهدم المودة في المدى القريب وتبقى تحت أنقاض أنفسنا.
الحقيقة، يجب ألا نغض الطرف أبدًا عن مثل هذا الاحتمال، بـل أن نخشاه وأن نعتصم جميعًا بحبل الإخاء والقرابة والجيرة والصداقة والزمالة بقوة !؟
إن أبرز خصائصنا المجتمعية ، وأكثرها استحقاقًا للتسجيل _ لاسيما في الريف المصري ، والمدن الصغيرة _ هي أن كل فرد من أفرادنا يحمل احترامًا كبيرًا للآخر. ويتمني له الخير ، وكلتا الخاصتين ورثناهم كبارا عن كابر ، فمن أين حلت علينا مشاعر العداء والحقد الموجودة فيما بيننا؟
لابد من التفتيش عمن يغذي تلك الثقافة ، سواء في المقالات أو البرامج او المراصد أو الأعمال ، ويضع لها ما بدحضها .
إن وجـود مشاعر الحقد والكره والعداء عند أي شخص، تعد نقيصة كبيرة وعيبًا فيه . فضلا علي أنها تمثل _ وهي الأهم _ ناحية سـلبية في نظر الحق تعالى وفي نظر الخلق .
إن توقير الإنسان للإنسان واحترامه من موجبات الإنسانية ومن ضروراتها، وحب الإنسـان للآخر من شـروط القرب من الله تعالى ومن الخلق. والذين يستهينون بالناس بتصرفاتهم أو بأقوالهم ، هم أناس بهم عجز نفسي وفكري ، بينما نرى أن أصحاب الخلُق الرفيع هـم من المتواضعين على الدوام، يهبّون نسيمًا رقيـقًا في كل مكان، ويسـتروح بهم الناس… وهم يَعدّون احترام الإنسان ومحبته من أفضل الأشياء وأثمنها. ويرون أن حب الإنسان للآخرين مكرمة عظيمة وخلق سام ، وكونه محبوبًا من قبلهم، أفضل وأثمن من ملك الدنيا. وأمثال هؤلاء ينذرون حياتهم من أجل حياة الآخرين ومن أجل سعادتهم بكل همة وعزم.
ومن السنن الإلهية أن أمثال هؤلاء الذين يحسنون الظن بالجميع ويحملون نوايا طيبة تجاههم، يحصلون على أضعاف مضاعفة لنواياهم وأفكارهم هذه. ومع أنهم لا يبغون هذا ولا يعنون أن يحصلوا على مقابلٍ لعملهم، إلا أنهم يحصلون على عشرة أضعاف ما يقدمونه مستفيدين من مزايا إنسانيتهم.
أما الذيـن تركوا أنفسهم للحقد وللعداء، فإنهم يدمرون قيمهم الإنسانية، ويزعزعون موقعهم في قلوب الناس.
إن صرف الإنسان عمره في غمار المشاعر السلبية والسيئة، عذاب لا يطاق من جهة، وانحطاط من جهة أخرى. بينما رؤية الجانب الإيجابي في كل شخص واحتضان الجميع، بطولة من جهة، وسمو من جهة أخري ، بطولة في التحكم بمشاعر الحقد والنفور والطمع. وهؤلاء الأبطال هـم الذيـن يسيطرون على أهوائهم فيتخلصون من ذل العبودية للشيطان والعمل تحت إمرته، وفي لحظة واحدة يصبحون عبادًا لله أعزاء الجوانب وأسيادًا في عالمهم الداخلي .
لقد أصبحنا -كمجتمع- منذ زمن طويل أسرى رغباتنا وعبيدًا لأهوائنا، وبدأ معظمنا يتصرف بوحي من الشيطان في قيامه وقعوده، ننـزعج من الجميع، ونـزعج الجميع. وبهذا الأسلوب من التصرف نبتعد بسرعة -سواء أشعرنا بذلك أم لا- عن قيمنا الإنسانية ونعيش أزمات في أعماقنا.
أجل! لقد استقرت المشاعر السيئة في قلوب معظمنا، مع أن هذه القلوب عشّ وخيمة للحب. فلم نعد نستطيع الآن حب الآخرين ولا احتضانهم ولا إبداء التسـامح والمرونة تجاههم. وأصبحنا نلتذ بالتحطيم والتدمير والتخريب، وكالبوم نقيم أعشاشنا فـوق الخرائب، ونهاجم الجميع، ونسرع للتخريب برغبة وشهوة كبيرة، ونتورط بذلك في آثام لا تغتفر نحو الله تعالى ونحو الخلق. وأحيانًا نقترف هذه السيئات ونحن نحسب أننا نقدم خدمة نتوقع الشكر والحمد والثناء من الآخرين عليها.
عذرا أن تقاصرت الجهود عن بيان حجم وعدد التجاوزات الإنسانية للإنسانية ، وإذا اجبرنا عن تقديم تصور لعددها ، يحق لنا أن نقول : أن الشمس ما طلعت يوم من الايام ، إلا
على ظلم أو على إعتداء وتجاوز من إنسان لإنسان ، ولربما كان هذا الأخير : اخ أو قريب أو جار أو زميل أو…أو …. ظلم يجعل الليالي تتجاوب مع الشمس في حزنها علي ما تشهده عند. طلوعها ، فتصرن حالكات الظلام، حتي غدت الصورة وكأن حالنا أصبح حال مجتمع عقد العزم على إقتراف الآثام.
ولما لا والمشاعر الإنسانية أصبحت خلف الأهـواء النفسية بمسافة كبيرة، وتقدمت المقاييس الشخصية والمزاجية على المنطق وعلى الموضوعية !
ولما لا ومشاعر المحبة والتسامح ذبحت هي الأخري بخناجر العداوة !! كم من الأشخاص الذين أصدرنا بحقهم أحكامًا جائرة بأفكار مسبقة ، أعتقد : بأنهم لا يعدّون ولا يحصون. وليس من المعلوم لماذا فعلنا ذلك ؟ وهل سيكون ما فعلنا اخر جرم لنا ؟ أم هناك قائمة طويلة ممن سنقوم بإغراقهم بالإهانات؟
ياله من مجتمع لا يشبع من الظلم، ولا يخجل من الاعتداء ولا يكف عن اقتراف الآثام ، إثمُ عدمِ احترام الحق، وإثم شعور الكره نحو الناس والنفور منهم، وإثم الاستخفاف بالضعفاء ، وإثم بذر بذور الكراهية في المجتمع، وإثم النظر إلى كل شيء بمنظار أسود، وإثم عدّ الآخرين مجرمين وأنفسنا بريئين، وإثم القيام بعرقلة كل خطوة مجتمعية إيجابية، وإثم تخريب القيم الإنسانية… إلخ من الآثام. وأنا أعتقد أنه آن الأوان للتوبة من كل هذه الآثام .
إذن تعالوا ( جميعا ) نتب من كل آثامنا ، ونستعن ببعض علي قسوة الحياة ومشكلاتها التي أحاطت بنا، فنبدأ نعيش فترة تطهّر، ونعزم على إحترام الآخرين، والحفاظ على جميع القيم الإنسانية، وندع النـزاعات فيما بيننا ، ولا نجتر ما حدث في الماضي ولا نثيرها من جديد، ولا نجعلها وسيلة لنـزاع جديد أو خصام.
فليحتضن بعضنا البعض الآخر، ولنبحث عن طُرق تجمع ما سـبق وأن بعثرناه من أشلائنا هنا وهناك، ونعمل علي جمع هذه الأجزاء ونلصقها مرة أخري وبقوة بحيث لا تنفصل ولا تتجزأ مرة أخرى.
دعونـا نستنطق لغة القلوب التي تقربنا إلى الناس، وتوصلنا إلى الله، تاركين مشاعر الحقد والعداء التي تقطع علينا الطريق كل حين.
دعونا نضع يدًا بيد إخوة ، جيران ، أصدقاء ، زملاء ، أصهار ، شركاء ، هيا نتكلم بقلوبنا وافعالنا وتصرفاتنا ، لأن لغة الألسنة أصبحت مشكوك فيها ، وغدت غير قادرة علي بث الطمأنينة في النفوس .
ياسادة : الحكمة تتطلب في كثير من المواقع إلي العقل و التعقل و عدم السعي وراء الضغينة و تصفية الحسابات. فليست كل الأوقات ممطرة و ليست كلها أيام جفاف عجاف، والعيش في هدوء وسلام يقتضي عدم خلط الأوراق أو الإحتكام إلى إملاءات النفس الأمارة بالسوء.
ياسادة : لا سبيل في تلك الظروف التي نمر بها من غلاء ، إلا أن يقف بعضنا بجوار البعض ، ونعمل علي مساعدة المحتاج ، فالحية تَرضع الثديات ساعة الضيق كما يقال .
نحن في أمس الحاجة إلى أي جهد يُبذل لمسح أحزان الناس و إشباع بطون الجائعين منهم و معالجة المريض .
أتطلع إلي صفاء مجتمعي يحقق الود والمحبة والإخاء بين الإخوة والجيران والأصدقاء والزملاء والأقارب والاصهار ، وينهي حالة التشرذم والأثرة في المجتمع . فهل تتحقق امنيتي ؟ لايخالجني شك أن الله سيحقق لنا ذلك ما أردنا ذلك وابتغينا إلي ذلك سبيلا .