البلاغة كما يقول أهل العلم هي الكلام أو النص الذي يجمع من جهة، بين جمال المعنى ووضوح الفكرة فضلاً عن فصاحة العبارة وصحة المعلومة، كما تتطابق من جهة أخرى، كل هذه العناصر مع الإطار الذي جاءت فيه ومع الأشخاص المخاطَبين وأحوالهم مع ترك أثر ساحر وجميل في نفس المتلقي. ومعروف أن البلاغة القرآن من أسباب إعجازه، ويكشف عن ذلك فصاحة مفرداته، ومتانة نظمه، وانتظام دلالته، واستيفاؤه للمعاني، إضافة إلي حسن بيانه، ودقة تعبيره. عند مبعث النبي صلى الله عليه وسلم إندهش وأشاد العرب ببلاغة القرآن، حتى وقفوا في حيرة من أمر هذا الكتاب؛ فقد وجدوا له في أنفسهم تأثيرًا بالغًا، لا يجدونه لغيره من ألوان الكلام. هذا واستعمل القرآن في مفرداته وآياته أقسام البلاغة الثلاثة في تعبيراته وسياقاته، ونظمه، وهي: أولاً علم المعاني، وثانياً علم البيان ، وثالثاً علم البديع ولا يمكن أن يضاهيه كلام في روعته، ودقته ، وبلاغته، حيث تحدي ببلاغته وفصاحته تلك العرب، والعجم ، أن يقدروا على أن يأتوا بأية واحدة مثل آياته ولم يفعلوا، ولو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله، وهذا هو الإعجاز الحقيقي ، فكل آية من آية القرآن بها بلاغة ، وفصاحة وبيان لا يقدر بمال، وعلي المسلم أن يعيش مع هذه الآيات ويتدبرها لا أن يقرأها فقط . خذ مثلاً كلمة واحدة من القرآن الكريم (أنلزمكموها )يقابلها سبع كلمات باللغة الإنجليزية (…Shall we compel you to accept it)…. وكلمة
(فأسقيناكموه) وبالرغم من أنها لفظة واحدة فيها إلا أن فيها خمسة أجزاء لغوية وهي: حرف عطف، وفعل، وفاعل، ومفعول أول، ومفعول ثان).
وفي سياق بلاغة القرآن وما يخص عنوان المقال حيث يقول الله تعالي في سورة آل عمران (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) (37). أوضح بعض المفسرين أن الله تعالي قال (أني لك) ولم يقل (من أين لك) وهذه الاخيرة تشير مباشرة عن المكان لكنه قال (أني) والله أعلم قد تنطوي علي ثلاثة أسئلة في وقت واحد ، وهي الأول يسأل عن (الإنسان) الذي أعطي السيدة مريم هذا الرزق والثاني سؤال عن (الزمان أو الوقت) الذي تلقت فيه هذا الرزق والسؤال الثالث عن (المكان) الذي جاء منه إليها هذا الرزق أثناء تعبدها في المحراب، بما يشير إلي مصطلح جديد يضم ثلاثة مجاهيل، وهي الإنسان والزمان والمكان وعلي غرار وقياساً علي المصطلح المعروف في علوم الفيزياء ويطلق عليه (الزمكان)والذي صيغ في العقد الأول من تسعينيات القرن الماضي، بما يمكن إجتهاداً صياغة إختصار جديد يضم المجاهيل الثلاثة –الإنسان والزمان والمكان-والتي شملهم السؤال في الكلمات (أني لك هذا) وهو (إنسزمكان Humanspacetime) حيث (إنس) يشير للإنسان، ويوضع أولاً لأن الإنسان هو من يعطي الزمان والمكان جوهر وجودهم.
أما في ما يتعلق بمصطلح (الزمكان spacetime) والذي صاغه عالم الفيزياء هيرمان مينكوفسكي 1908 أي بعد ثلاثة أعوام من ظهور نظرية النسبية الخاصة لأينشتاين. ومعروف أن الزمن هو قياس للتغير الذي يحدث في إطار ما نعرفه بالمكان لأن تسلسل الأحداث والتغيرات التي تمر بها وتتكون منها حياة البشر تحدث خلال وقت ما وفي مكان ما، لذلك يعد مصطلح &الزمكان& دمجاً لمفهومي الزمان والمكان معاً، ضمن دينامية وسيرورة معينة، والذي يضم الأبعاد المكانية الثلاثة الأولي وهي الإرتفاع والعرض والعمق، وأضيف لهم البعد الرابع وهو الزمن. وتخبرنا الفيزياء التقليدية بأن البعد الرابع وهو الزمن لا يستطيع الإنسان التحكم أو التنقل عبره.
الوجود البشري وعلاقته بهذا، حيث يبدو الزمن كطريق يسير في إتجاه واحد في ظل وجود قيود صارمة علي السرعة. وبالرغم من هذه المفاهيم، وإعتماداً علي التجارب التي أجراها العلماء فيمكن للإنسان التمكن من رصد وجود ووحانية الزمكان . مثال علي ذلك حينما يقوم الإنسان بتدوير دلو مملوء بالماء في مسار دائري، فإنه إذا ما وصل إلي سرعة معينة، فيمكن حينها لف الدلو بشكل كامل وجانبي دون أن يخرج الماء من الدلو، بما يشير إلي مبدا التكافؤ، وهو المبدأ الرئيسي في نظرية النسبية العامة التي كشف عنها أينشتاين وتنص علي أن الجاذبية تعمل في إتجاه واحد وتعادل التسارع الموجود في الإتجاه الآخر.
وإستنتج العلماء مما سبق بأن الجاذبية تؤثر علي قياسات الزمان والمكان (الزمكان)، بدليل أنه إذا قام الإنسان بمزامنة وضبط ساعتين ثم وضعت إحداهما في الفضاء (بعيداً عن جاذبية الأرض) والأخري وضعت في مجال الجاذبية الأرضية فإن هاتين الساعتين سيفقدا التزامن المضبوط بينمها، بما يثبت بل يؤكد علي أن الزمن جزء من نفس الوسط المكون للمكان، وعليه فإن (الزمكان) مفهوم حقيقي ومؤكد. فسبحان الله (عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ) (5).