للأماكن سحرها الأخاذ أو قهرها الغلاب ، وبالتأكيد لا أقصد تلك الأماكن باذخة الجمال والسحر ، بل أقصد تلك الأماكن باهر التأثير التي يدركها المرء بمجرد أن يأتيها ، لأنها مكتنزة بآيات الإبهار.
ألا ما أحلي تلك الأماكن البسيطة الدافئة التي ضاعت في ثنايا السنين والأيام ، ولكنها تهاجمنا بذكرياتها كلما مررنا عليها ، أو مرت هي في الذاكرة ونبشت في المشاعر وحركت الأحاسيس !!
لاشك أن في حياة كل منا أماكن من البهجة والسرور مارس فيها بهجته وبرائته ، وعلي الرغم من انقضاء سنوات طويلة عليها ، إلا أنها مازالت ماثلة شاخصة تأتيه دوما أو يذهب إليها دوما .
من منا لا تخاتله ملاعب الطفولة والصبا والشباب ؟
من منا لا يتذكر مدرسته الأولي وفصله الأول ودكته وزميلته المجاورة ؟
مهما كبرنا وارتفعنا وباعدت السنين بيننا وبين ذكرياتنا إلا أنها مازالت تعيش في وجداننا وأحاسيسنا ، ولا أتطلع إلي أن أعدد الأماكن التي لها في نفسي موقعا متميزا بقدر ما أريد استدعاء كل الأصدقاء للأماكن ذات المكانة العظمي في نفوسهم .
فرغم عمري الذي فر مني إلي مشارفه الأخيرة ، مازلت من حين لآخر أتذكر أماكن صغيرة كنت أحبها وكنت دائم التردد عليها .
لم أنس شجرة التوت التي كنت اذاكر تحتها ما حييت ، لم أنس بيت زميلتي الذي كنت أمر عليه عشرين مرة في اليوم بحجة الذهاب إلي ملعب كرة القدم الملاصق له لكي أراها ، وأضع لها الخطاب الغرامي الذي كنت أسهر طوال ليلي أحبره وأزينه وأخرجه علي أبلغ وأروع ما يكون المكتوب .
للأماكن بنظري هي نبض الروح وشوق الحشا الحارق ، مهما غبنا عنها وباعدت المسافات بيننا وبينها فإنها بداخلنا ، تعيش فينا .
أماكننا مشاعرنا ليست مجرد لحظات عابرة ، بل هي اجزاء مهمة في دواخلنا ، تشغنا الأحداث عنها بعض الوقت ، ولكن لا يقدر الزمن علي استقطاعها منا !
كثيرا ما رأيت من ترك قريته وأماكن نشأته إلي اجمل المدن والعواصم ، وحينما يعود إليها تتضائل في عينيه كبريات الأماكن التي رآها.
أزعم وبعض الزعم يقين : بأن للقري وهج يعلو علي معظم الأماكن ، فرغم الكثير من المنغصات الإجتماعية المعروفة للجميع بها ، إلا أنها مازالت واحة دفء إجتماعية تساهم بشكل كبير في إضفاء روح الود ، وتحفز علي الهدوء الإنساني لصنع وتيرة للحياة تتوافق وعقيدة وقيم وسلوك الإنسان وما تتوافق عليه القيم المجتمعية الأصيلة.
لقد حفزتني الصورة التي رأيت عليها فضيلة مولانا الإمام الأكبر شيخ الأزهر الأستاذ الدكتور أحمد محمد الطيب وسط ساحته وسط أهله ومريديه وهو يجلس بينهم مطمئنا دون حراسة أو برتوكول ، ويعلو وجهه الرضي والسرور والاطمئنان إلي رصد القري التي نشأ فيها السادة الأولياء الصالحين شيوخ الأزهر العظام ، فدخلت بمزاجي في مهمة شاقة لرصد تلك القري وزيارتها والوقوف علي التضارييس الجغرافية والفكرية لها ، ولعلي في إلقاء الضوء عليها وتوسيع نطاق العلم بها تكون مثل يحتذي به من جل قري الجمهورية لهذا الشرف العظيم .
وإلي حضراتكم نتيجة الرصد وإن كان في العمر بقية أنقل لكم تفاصيل الزيارات وبيان الملامح والانطباعات.
ابرز ملامح البحث هو فوز محافظة المنوفية بالمركز الأول علي كل المحافظات في تخريج شيوخ الأزهر منها ، فيما حصلت قرية منية عروس مركز أشمون علي المركز الأول علي كل قري الجمهورية في خروج ثلاثة من كبار الشيوخ منها ، بل ومن أسرة واحدة مسجلة بذلك حدثا فريدا في تولي الجد والأب والحفيد منصب شيخ الأزهر الشريف وهم السادة أصحاب الفضيلة أحمد بن موسي بن داود العروسي ، ومن بعده الإبن محمد ، ثم الحفيد مصطفى ، ليصبحوا ثلاثة من بين سبعة مشايخ لمحافظة المنوفية والباقين ، هم أصحاب الفضيلة : أحمد الدمهوجي من دمهوج ، وحسن القويسني من قويسنا ، وإبراهيم الباجوري من الباجور ، وعبد المجيد سليم ، من ميت شهالة الشهداء منوفية،
فيما خرجت قري محافظة البحيرة علي ستة شيوخ وحصلت علي المركز الثاني ، وهم : محمد بن عبد الله الخراشي من أبو خراش مركز شبراخيت ، ومحمد شنن من الجدية ، وأحمد بن عبد المنعم الدمنهوري من دمنهور ، ومحمود شلتوت من منية بني منصور مركز ايتاي البارود ، وسليم البشري من محلة بشر مركز شبراخيت ، وإبراهيم حمروش من الخوالد مركز ايتاي البارود .،
واخرحت قري محافظة أسيوط ثلاثة من أصحاب الفضيلة ، هم : حسونة النواوي من نواي مركز ملوي ، وعبد الرحمن النواوي من نفس القرية لتفوز قرية نواي بالمركز الثاني علي مستوي القري ، وعلي الببلاوي من ببلا وعبد الرحمن تاج من اسيوط .
فيما أخرجت قري محافظة الشرقية أربعة من أصحاب الفضيلة مشايخ الأزهر وهم : محمد الحفني من حفنا ببلبيس ، وعبد الله الشرقاوي من الطويلة بلبيس ومحمد الظواهري من كفر الظواهري ، وعبد الحليم محمود من أبو حمد بلبيس .
واخرجت قري محافظة الغربية ثلاثة من شيوخ الأزهر وهم : ابراهيم البرماوي من برما مركز طنطا ، وعبد الرؤوف السجيني من سجين مركز قطور ومحمد الشنواني من شنوان قبل انتقالها إلي محافظة المنوفية .
واخرجت قري محافظة كفر الشيخ نفس العدد من أصحاب الفضيلة وهم : محمد النشرتي من نشرت وعبد الباقي القليني من قلين ، ومحمد عبد الرحمن بيصار من السالمية مركز فوة .
فيما أخرجت قري محافظة الجيزة شيخان جليلان وهما : شمس الدين الانبابي من إمبابة ، ومحمد.ابو الفضل الجيزاوي من وراق الحضر . وبنفس الرقم أخرجت محافظة الدقهلية شيوخ للأزهر ، وهم أصحاب الفضيلة : محمد مأمون الشناوي من الزرقا ، وجاد الحق علي جاد الحق من بطرة.
فيما أخرجت قري المحافظات التالية منصبا واحداً ، وهم أصحاب الفضيلة: مصطفى عبد الرازق من أبي جرج مركز بني مزار المنيا، ومحمد سيد طنطاوي سليم الشرقية مركز طما سوهاج ، وأحمد محمد الطيب القرنة الأقصر .
تبقي كلمة :
إن كتابة التاريخ وتوثيقه لا يقل أهمية عن صناعته ، والحفاظ عليه وتسجيله واتاحته أمام الأجيال الجديدة هو جزء من الحفاظ عليه ، باعتبار التاريخ وأحداثه هو ذاكرة الأمة وأحد ملامح شخصيتها ، من هنا يكتسب هذا المقال أهميته .
أمنية :
اتمني علي السادة محافظي المحافظات السالف ذكرها ، ورؤساء المدن والوحدات المحلية التابع لها القري المذكورة كل فيما يخصه وعلي حسب حجمه وثقله الوظيفي الايعاز لمن يملك ويقدر بتكريم وتخليد القري المذكورة بما تستحقه عرفانا بالجميل وتتويج أدبي لسالف المجهودات وعربون روحي للعطاء ودافع لإتقان الحاضر .