سأكتب عن تجربتى الصحفية التى بدأتها فى الثانية عشر من عمرى واعتزلتها وانا فى الرابعة عشر ثم عدت إليها عندما بلغت الستين
بدأت القراءة وانا فى سن صغيرة جدا , تعودت على قراءة جريدة الآهرام التى كنت أبدأها من الصفحة الأخيرة ثم الأولى تليها الحوادث وأحيانا كنت أقرأ المقالات او الأعمدة اليومية , هذا كان لا يمنع من قرائتى الدائمة لمجلتى سمير وميكى التى كان والدى يحرص على شراؤها لى كل اسبوع , أما البرامج الإذاعية فكنت اتابع بانتظام برنامج بابا شارو وهناك برنامجين كنت استمع لهما مضطرا الأول نشرة الأخبار التى كان ابى يتابعها دائما بمقدمتها المميزة التى كانت مأخوذة من أغنية محمد عبد الوهاب نشيد الحرية … و كذلك برنامج إلى ربات البيوت الذى كانت تتابعة أمى من تقديم صفية المهندس وعن طريق هذا البرنامج حفظت كثيرا من الأمثال الشعبية التى كانت تلقيها ” أم على ” فى مسلسل يومى لا يتعدى الخمس دقائق فى نفس البرنامج .
فى سن الحادية عشر بدأت أهتم كثيرا بالأخبار السياسية وأقرأ القصص القصيرة والأعمدة التى كانت تنشر فى الأهرام وقل الاهتمام بميكى وسمير وعلى حساب لعب كرة القدم الذى بدأت بوادر فشلى الذريع فيها فى زمن مبكر , جاء خالى مهدى ” نسيم شاكر” للسكن معنا وافدا من المنصورة بعد أن حصل على ليسانس الحقوق (فى سن الثلاثين ) وتم تعيينه فى فى مجمع التحرير وأعطاه أبى غرفة بمفرده … كان مثقفا إشتراكى الهوى ودائما ماكان يردد ان مصر مصرية وأفريقية و كان يكتب لإحدى المجلات المحلية ، وأذكر أنه كتب مقالا يثبت فيه أن عمق مصر الإستراتيجى الأول هو أفريقيا , أما أنا فكنت معجبا بالغرب وبألمانيا الغربية واشتركت بالمكتبة الامريكية فى جاردن سيتى التى ضمننى فيها خالى وكان مسموح لى باستعارة كتابين ومجلتين وكنت اختار الكتب العلمية البسيطة عن الفضاء وبراءات الاختراع .. قرأت فى الثانية عشر كتابا عن شوبنهاور وآخر عن أديناور أول مستشار لجمهورية ألمانيا الاتحادية. وكنت معجبا بالولايات المتحدة التى إختارت شابا وسيما اسمه جون إف كيندى الذى كان يشبه نجوم السينما وكنت أقص صور مارلين مونرو من الاهرام واحتفظ بها فى دولابي ولكنى تركتها بعد ان علمت بعلاقتها بالرئيس الأمريكى ونكاية فيها احببت چين مانسفيلد .
كان خالى مهدى ( نسيم بك شاكر ) يشجعنى على القراءة دائما , وفى يوم ما، اعتقد أنه أراد اختبار قدراتى على القراءة فأعطانى كتابا لزكى نجيب محمود ما ان قرأت العشر صفحات الأولى حتى أصابنى الإحباط وقلت له ” ياخالو أنا مش فاهم حاجة ” قال لى خلاص خد إقرأ كليلة ودمنة وقل لى ما المغزى لهذه القصص وهنا تخيلت ان هذا الرجل رغم حبه لى يريد تعجيزى لا تشجيعى والسخرية منى لكننى سرعان ما استوعبت قصص كليلة و دمنة والدروس المستفادة منها , كان خالى ينادينى “بوبى ” وكنت أريد أن أثبت له أننى لست جروآ فغرقت اكثر فى القراءة , بدأت علاقتى بخالى تتوطد وتعلمت منه ماذا أقرأ وكيف أقرأ واستوعب ، حيث اخبرنى ان القراءة فن يمكن اكتسابه بالممارسة ، تعلمت منه خصال شخصية كيف يكون لك شخصية قوية و كرامة وكبرياء دون ان تتعالى على الناس لتكسب حبهم واحترامهم , تعلمت منه ألا أستدين لأن الدين يقلل من احترام الناس لك , ومازالت أمثاله حاضرة معى بصوته ” السلف تلف …. اللى مامعاهوش مايلزموش .. وكيف اعطانى درسا لن أنساه حيث لاحظ انتفاخ جيوبى بكمية كبيرة من اللب لا يقل ثمنها عن خمسة ابيض ” قرشين ونصف ” او ثلاثة قروش وسالنى من أين لك هذا فأجبته أننى اشتريته من عّم يعقوب وسألنى كم دفعت فقلت له تعريفة ، حينئذ اخذنى الى عّم يعقوب وسأله وقبل ان يجيب قلت له انا أسف يا عّم يعقوب لقد غافلتك بعد ان اشتريت بتعريفة ملأت جيوبى باللب دون أن تدرى ، اجبرنى خالى حينئذ ان أعيد كل اللب مرة اخرى للفاترينة ولم يسمح لى بلباية واحدة
فى صيف ١٩٦٢ بعد ان لاحظ خالى نهمى للقرائة سألني لماذا لا تصدر مجلة وتكتب فيها … من هنا بدأ الحلم بإصدار مجلة أكون أنا رئيس تحريرها ويكون على امين مجرد كاتب لدى … فكان اسم” الجيل الصاعد ” تأثرا بالجو العام الذى كنا نعيشه أوائل الستينات