وردَ في المثل : “حُبُّك الشيء يُعمي ويصم”، وفيه تتضح خطورةُ العواطف والهوي عند الحكم علي الأشياء أو الأشخاص، ولهذا وجدنا الشرع، وكذلك القضاء المدني يرفضان أن يحكم قاض في قضية اتهم فيها ابنُه أو أخوه أو أمه أو أبوه، أو أيُّ فرد من ذوي رحمه الأقربين؛ حرصا علي العدالة، وإحقاقا للحقِّ .
ولأنَّ الكاتبَ أحد المُعبرين عن ضمير الأمة؛ فلابد أن يتجنبَ هو الآخر الهوي والعواطف منعا للزيغ وتفاديا للشطط .
ومن باب حسن الظن، لو افترضنا أنَّ كثيرا من الكتاب – وقطعا في هذا مبالغة – يحرصون علي ذلك، فتأتي كتاباتُهم وآراؤهم مُتدثرة بثوب الصدق، ومُلتحفة بإهاب الموضوعية، فإن آخرين – حَرمنا الله منهم – حملوا المباخر، ونفخوا في أبواق النفاق والكذب، فزيفوا الحقائق، وجملوا القبيح، أو قبحوا الجميل، فأسأوا لمجتمعهم أبلغ إساءة، وصنعوا بما فعلوا فراعين كثرا، مشوا في طريق الباطل لا يلوون علي أحد، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا .
وليس المقصودُ بالفراعين الحكام، بل أعني كلَّ مسئول لم يرعَ حقَّ الله فيمن خُولتْ إليه رعايتهم، سواء كان أبا أو أما، وزيرا أو غفيرا، مديرَ عمل، أو رئيس هيئة، أو حتي حاكم دولة، وصدق رسولُنا الأعظم : ( كلكم راع ومسئول عن رعيته )، ولو تذرع هذا الفرعون بأن هناك من أفتاه بما يفعل، وأجاز صنيعه، فدعونا نهمس في أذن ذلك المسئول الغافل، وأين أنت من الأثر : ( استفتِ قلبك وإن أفتوك ) !
وعلي الجانبِ الآخر من هذه المعادلة العويصة، نقول لحاملي المباخر : انفضوا أيديكم من رذيلة الكذب والنفاق والتضليل، الذي مارستموه بحرفيَّة مُنقطعةِ النظير التماسا لمآرب لكم، ولحاجة في أنفسكم، وتذكروا قولَ ربكم : ( ما يلفظُ من قولٍ إلا لديه رقيبٌ عتيد )، وقول نبيكم : ( وهل يكُبُّ الناسَ في النار علي وجوههم أو علي مناخرهم إلا حصائدُ ألسنتهم .
ربما يسأل سائل : ما الدافع لهذه المقدمة الطويلة ؟
أقول الدافع أنه لفتَ نظري مُؤخرا حملةٌ ضارية، شنها برلمانيون علي وزير في حكومة د. مدبولي الحالية، وقطعا هذه ظاهرةٌ صحية، تكشف عن وعي هؤلاء البرلمانيين، وإيمانهم بالمسئولية بشرط ألا يكون كلامُهم مُرسلا، ومُفتقرا إلي الدليل .
ومادام حقُّ النقد مكفولا لممثلي الشعب، فإن حق الرد مكفولٌ أيضا للوزير أو المسئول، الذي لن تعييه أبدا حيلُ الرد والدفاع عن نفسه دون مُزايدة المُزايدين من أصحاب الأقلام المأجورة أو المُنحازة علي افتراض سوء الظن .
وأخيرا أقول : الصحافة ياسادة مهنةُ توعيةٍ وإرشاد، وإحياء وازع، وإيقاظ ضمير، وليست مهنة محاماة، تدفع بعضا من كتابنا المصونين للبحث في الرخص لتبرير خطأ المسئول، وتبرئة ساحته، علما بأنه قد يكون مخطئا من ( ساسه لراسه ) .
ولايعني كلامي مطلقا اتهام أحدٍ من طرف خفي، أو تأييد هؤلاء البرلمانيين فيما قالوا، وإنما يعني أن يتقبلَ المسئول الرأي والرأي الآخر، وأن يسعد بالنقد، ويرد عليه بالحجة والدليل، ويترك بعدها الحكم للشعب .
وأُذكِّر أخيرا أصحابَ الأقلام المأجورة بقول نبينا : ( احثوا في وجوه المدَّاحين التراب ) .