انتفضَ مذعورا، يَجرُ من تحت السرير (جوز) الجزمة البنص الهافان، التي أهداها إليه أحدُ أقاربه المُقيمين بمدينة ( ميلانو ) بإيطاليا .
حشرَ قدميه الصغيرين في الحذاء بعد حشوه بالقطن؛ ليتفادي خلعَه في الطريق، كما حدثَ له أكثر من مرة .
بعدها ارتدي مجدي أبو صالح جلبابه واسع الأكمام، وأخرجَ من طوقه رأسه الصغير بوجهه المُغضن، ووجنتيه الناتئتين، وعينيه الضيقتين الشبيهتين بعيني حَدَأة وقفتْ علي ربوة عالية تستشرف فريستها .
كان مجدي قد عَقدَ عزمه قبل أن ينام علي أن ينطلقَ من باكر إلي طاحونة عمه الحاج عبد الفتاح أبو صالح غَربَ القرية؛ ليطَّلع علي آخر الأخبار أثناء احتساء شاي (الاصطباحة)، وينظر في ( رول) القضايا، التي سيُدعي للبت فيها، والتي تدور كلها حول خلافٍ بين اثنين علي حدِّ زراعي، يُحدد مجدي مكانه بدقة بواسطة قلم (ليزر) يحمله في جيبه، أو مُشاجرة بين جارين بسبب أن بقرةَ أحدهما فكتْ زمامها، وأكلتْ برسيم الآخر، أو سَرحتْ في أرضه، فتركتها قاعا صفصفا لا تري فيها عوجا ولا أمتا بعدما كسَّرتْ عيدان الذرة، وشتلةَ الزرع .
وتكون مهمةُ مجدي عويصة، و(داهيته سودة)، حينما يُطالبُه شخصٌ بأن يُعيدَ إليه أجرة جَسِّ الماشية من جسَّاس المواشي، الذي أخبره بأن بهيمته عِشار، وفوجئ بأنها فارغة !
لم تكنْ هذه القضايا تستعصي علي مجدي أبو صالح، فصار مَضربَ المثل في القرية، وأُشيعَ في العالمين أنه ما من قضية إلا ومجدي لها .
أغري نجاحُ مجدي في حلِّ تلك القضايا المشاكسَ أحمد جاد الله بأن ينصحه بضرورة التدخل لحل الخلافات الدولية، كالخلاف بين روسيا وأوكرانيا، أو خلاف السودان بين حميدتي أو كما يُسميه مجدي ( حمتو) والبرهان .
استراحَ مجدي للفكرة، ودخل علي رواد صالون مولانا عبد العظيم أبو صالح يوما، يميس في عُجب، ويتدلل في تيه، وهو يقول : أبشروا يا جماعة وُفقتُ في فض الاشتباك بين بوتين وزيلينسكي، وأخذتُ عليهما شيكات بوقف الضرب وعدم التعدي . استفزت عبارة مجدي خالَه السيد أبو عواد الفقي، فأطلق ( واحدة أسكندراني)، وهو يعضُ الأناملَ من الغيظ، ويقول صحيح ما أنت “عسران الضبع”، وعسران هو البلطجي، الذي اكتراه كيلاني بيه ليقتُل منافسَه فؤاد المنياوي في فيلم ( الهلفوت) !
ولأنَّ مجدي يُؤمن بأنَّ راحةَ الجسم تبدأ من القدمين، فقد حرصَ علي شراء أفخر الأحذية بين بنص ورباط، وكاجوال، وكلاسيك، حتي السكيتشرز لم يفته شراؤه؛ لـ(يتعايق) به في اجتماعاته بالجمعية الزراعية بالقرية، حيث كان وكيلا لها بالانتخاب .
صباحَ يوم خرجَ مجدي مع هبوبِ الريح، يترقب وصول صديقه أحمد جاد الله، فكان الاثنان بمثابة الحَلَّة وغطاها؛ ليذهبا سويا لورشة الأحذية ليُرمم مجدي حذاء قديما عنده، ويشتري (سليبر) فخما، وأنجز مجدي المهمة، وعاد يحملهما تحت إبطه، فهشتْ لقدومه زوجته، إذ ظنتْ – وأكبرُ الظن إثم – أنه يحملُ لها لفةَ لحم، لكنها فوجئت بأنها أحذية رصَّها إلي جانب ما عنده تحت السرير، والذي كان معرضا يُنافس معارضَ ( زلط) و الجباس، وحتي صيدناوي وشملا !
حكايات مجدي مع الأحذية لا تنتهي، فحدثَ أن كان في فرح قريبٍ له بمدينة القاهرة، ودخل المسجد للصلاة، وبعدما فرغ أخذ يُفتش عن حذائه فلم يجده، ووجد مكانه حذاء جلد ( ثعبان) فخما، فضحك في (عِبه)، ودعا مُخلصا بأن يكون هذا الحذاء قد اُستبدل بحذائه القديم، واستجيبت دعوته، ولبس حذاءه الفخم، ومشي يتحنجل (كالغراب)، وبمجرد أن وصل للقرية – وبإيعاز من أحمد جاد الله – أشيع في الناس أن الملأ يأتمرون بمجدي، بعدما رصدتْ جهةٌ سيادية مكافأة ضخمة لمن يعثُر علي حذاء مسئول كبير بها، أو يدل علي سارقه، وهو ما أجبر مجدي علي أن يظل رهينَ محبسه أياما خائفا يترقب حتي مرتْ الواقعةُ بسلام !
امتاز مجدي بروح الفكاهة والمرح، فيُحكي أنه جلسَ بجوار أحمد جاد الله يستمعان لخطبة الجمعة يوما، وكان موضوعها عن الرزق، وورد فيها أن صيادا فقيرا خرج للصيد، فاصطاد سمكة، ودفعها لزوجته لتنظيفها وطهيها، فوجدت بها خاتما من ذهب، لم يشغل مجدي باله أبدا بموضوع الخطبة، وظل خلالها يضرب أخماسا في أسداس، وما إن خرج حتي هرع للشيخ، وقال له لي عندك سؤال يامولانا، فأنصت الشيخ، وإذا بمجدي يسأل : هي السمكة كانت ذكرًا أم أنثي ؟!
مجدي أبو صالح رغم ضآلة جسمه، ولسانه الأشبه بالكورباج، إلا أنه امتاز بخفة الظل، وشدةِ المرح، وجريه كالرهوان وراء الطرفة، وبحثه عنها بمنكاش !
توضيح ..
خارج كواليس الحكايات، عذرني الصحفي إبراهيم مجدي أو لم يعذرني لا يهم !
فإن كان بطلَ الحكايات أبوه، فإنه ابنُ عمتي، وقطعا علاقتي به أسبق .
