ــ {وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا} حدَثٌ آخـر من أحداث يوم القيامة نتيجة للزلزلة، والأثقال جمع ثِـقْــل وهو المتاع الثقيل، ومنه قوله تعالى عن الأنعام: {وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إلى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأنفس}، والمراد هنا أن الأرض تُخرِج ما في جوفها من أموات وكنوز وغير ذلك مما يكون فى باطنها، فالميت فى جوف الأرض ثِـقْـــل لها، وهو حـي فوقها ثِقْــل عليها، لذا سُمِّي الجن والإِنس بالثَّقَلين؛ لأن الأرض تثقل بهم، قال تعالى: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ}، نَفْرُغُ من الفراغ ضد الشغل، والمعنى سنتفرغ لمحاسبتكم ومجازاتكم، لكن الله لا يشغله أمر عن أمر، إنما المراد التهديد للكفار منهم بأنهم سيلقون حسابهم وعقابهم، وأتى بالسين الدال على القرب لتأكيد وقوع الحدث.
ــ {وَقَالَ الإنسان مَا لَهَا}، هذا تساؤل يقع نتيجة للزلزلة، يقول الإنسان: ماذا حدث للأرض؟! لكن مَن ذلك الإنسان؟ ومتى يتساءل؟ قيل: الكافرون؛ لأنهم جاحدون لها، يقولون: {يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا}، أي مَن أيقظنا مِن قبورنا؟ وكانوا يعتقدون أنهم لا يبعثون منها، فلما رأوا في محشرهم ما كذَّبوه تساءلوا، وهذا لا ينفى عذابهم في قبورهم، إنما هو بالنسبة إلى يوم القيامة في الشدة كالنوم، وقيل: إن الله تعالى يرفع عنهم العذاب بين النفختين فيرقدون، فإذا بُعثوا بعد النفخة الثانية وعاينوا القيامة وأهوالها دعوا بالويل وقالوا من بعثنا؟ فيجيبهم المؤمنون أو الملائكة: {هَذَا مَا وَعَدَ الرحمن وَصَدَقَ المرسلون}، ويحتمل أنهم هم الذين أجابوا أنفسهم إقرارا بصدق المرسلين، لكن إقرارهم لا ينفعهم، وقيل: المراد بالإِنسان جنسه أي كل الناس مؤمنين وكافرين، والقصد من الاستفهام {مـا لها} التعجب من أهوال القيامة، والمعنى أن كل إنسان يقول في دهشة وحيرة: أي شيء حدث للأرض جعلها تضطرب هذا الاضطراب الشديد؟! وهذا القول إما واقع من الأحياء عقب النفخة الأولى قبل صعقهم أو واقع من كل البشر بعد بعثهم عقب النفخة الثانية حسب وقت الزلزلة.
ــ {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} جواب الشرط، وإطالة الشرط تشويق إلى معرفة الجواب، و{أَخْبَارَهَا} مفعول ثان للفعل {تُحَدِّثُ}، والمفعول الأول محذوف، والتقدير: تحدِّثُ الأرضُ الخلائقَ أخبارَها، فتشهد بإيمان المؤمنين وكفر الكافرين وفسق الفاسقين وطاعة المطيعين ومعصية العاصين، فقد ورد أن النبي قــرأ {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا}، ثم قال: أتدرون ما أخبارها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمَة بما عمل على ظهرها بأن تقول: عمل كذا وكذا يوم كذا وكذا، فهذه أخبارها”، وهذا يعني أن الله سيخلق في الأرض حياة وإدراكا، فتشهد بما حدث عليها من عمل صالح أو طالح، كما تشهد على من فعل ذلك، والمراد أن كل إنسان فى ذلك اليوم سيتبين جزاء عمله، وما أعــدَّه الله له على ما قــدّم فى حياته، لكن ما الذي يجعل الأرض تشهد على الإنسان؟ للحديث بقية.