كان عمري وقتها خمسةَ عشرَ عـامـًا، عندما سمعت خبر محاولة اغتيال الشيخ علي جمعة، انتابني الذهول، وداهمتني التساؤلات، كيف يمكن لجماعةٍ تدعي أنَّها إسلاميةٌ أنْ تُقبل على محاولةٍ مثل هذه، لا سيما وأنَّ الشيخ علي جمعة ظلَّ لعهدٍ طويلٍ مفتيًا للديار المصرية، واليوم وبعد ما يَقْرُبُ من ثمانيةِ أعوامٍ، محاولة اغتيالٍ جديدةٍ بطابعٍ آخرَ، منْ خلال تشويه شخصه على مواقع التواصل الاجتماعي، ومحاولةِ تبشيع فتاويه، التي لطالما حرص من خلالها على إظهار سماحة الدين، وكبح الأفكار المتطرفة، وإلجام الجماعات المتشددة.
وكان برنامجه الجديد “نور الدين” برهانـًا كافيـًا على الفكر المستنير الذي يسعى لنشره بين الشباب، ومحاولةً منه لإعمال العقل، وتيسير المفاهيم المعقدة، وخلال إحدى حلقات البرنامج ناقش الشيخ مسألة الصداقة بين الولد والبنت، وقال: إنها تجوز إذا قامت على العفاف والحشمة، لم يتحدث بشيء خارجَ الدين، ولم يسلك منهجـًا غامضـًا، كان يعي كل كلمةٍ تَفَوَّهَ بها، والمثير للدهشةِ حقـًا أنَّ الأمر لم يمرّ مرور الكرام على بعض المحتالين الماكرين الذين فقدوا هويتهم ومبادئهم منذ سنواتٍ عديدةٍ، فاكتظت السوشيال ميديا بِمُدَّعي النقد والحصافة، والمتظاهرين بالتدين، فأصبح علي جمعة فجأةً هو المبتدع الضال الفاسد المنحرف.
وأنا أرى وكلي إدراكٌ ويقينٌ أنَّ ما قاله الشيخ كان بمثابةِ إغاثةٍ لجُلِّ بنات المسلمين الذين راحوا ضحية الأفكار السامة المتطرفة، تلك الأفكار التي أرغمتهنَّ على أنْ يلزمن منازلهن، لا يتعلمنّ ولا يُعّلِّمن، بحجة أنَّ الجامعات هي مقر الاختلاط، وأنَّ الاختلاط ليس من الدين، فأصبحت المرأة مقامها الدار، بمنزلة آلة مسخرة لخدمة أفراد البيت، ووعاءٍ جنسي ٍلبعلها إذا تطلب الأمر، وتُحْرَمُ من الوظائف التي تضفي لها مكانة وجدوى، فَتُعَامل على أنَّها جاريةٌ في نهاية المطاف، وإن كانت تحمل اسم زوجة، فكلَّما كانت خاضعةً مستسلمةً، كلما زاد إيمانها في نظر الذي ينتحل ويدَّعي أنَّه صاحب مفتاحِ الجنَّة، الذي تتبعه في منهجه التكفيري وفكره الراكد، هذا هو نفسه الذي احتجَّ على وجود العفاف، لأنَّ العفاف يعني تحطيم ما يبتغيه، واسم المرأة عنده يرادف الشهوةَ واللذةَ فقط.
أراد نور الدين أنْ يكتب رسالة طمأنينةٍ لنساء المسلمين، أنَّهنَّ يستطعن أنْ يَسُدْنَ العالم، طبيبات ومهندسات ومعلمات إذا غَشَيَهُنَّ العفافُ، وأنَّ دورهنَّ لا يقتصر على تربية الأبناء، أو أن يَكُنَّ ملاذًا لرغبة جنسية مقيتةٍ، بل إنَّ المجتمع لن ينضج ولن يتقدم إلا بوجودهنَّ في كافة المجالات، هنَّ والرجالُ سواءٌ، وأنَّ المرأة أعظم بكثير من أنْ يُنْظَرَ لها على أنَّها جسدٌ فقط.