يقول تعالى ( جل علاه وتقدست اسماؤه ) فى سورة ( الزخرف ) الايه 32 :
( أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا .. ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون )
نعم .. نعم يارب العباد .. صدقت ياالله … ..
اما ,,,,, بعد :
تحركت بسيارتى متجها الى تلك المنطقة ( الشعبيه ) شديدة الفقر وقد وجدت بعد وصولى صعوبه بالغه فى الوصول الى هدفى حيث تسكن اسرة مصريه كنت على تواصل معها بشكل دائما اثناء وجود رب هذه الاسره على قيد الحياه وحتى بعد رحيله عن الحياه … وهو الاخ الراحل مجدى محمدين …. .. لم استطع قيادة السياره .. فالزحام شديد فى تلك المنطقه العشوائيه وشوارعها لاتصلح نهائيا للسير … توقفت واوقفت الموتور .. ربما بعد قليل يتحسن الامر ويقل الزحام …… وماهى الا لحظات بعد ان توقفت السياره .. واذا بى اسبح فى بحر ذكريات عميق … وتذكرت الراحل مجدى محمدين ..
كان (عامل بوفيه) فى معرض (توكيل) سيارات ملكا لرجل اعمال كبير كانت تربط بينى وبينه صداقه قويه انتهت تماما بعد ان شاهدته وهو يصفع الراحل مجدى محمدين ( عامل البوفيه ) الذى لم يرتكب ذنبا يستدعى ان يصفعه الرجل على وجهه امام كثير من الناس مما ادى الى انهيار العامل واخذ يبكى بشده .. ولم يكتفى رجل الاعمال ( غليظ القلب ) .. بل قام بطرد الرجل والاكثر حماقة انه رفض تسليمه اجره … مما دفعنى لرد فعل عنيف مع رجل الاعمال الذى وصفته لحظتها بالحقير … ولم اتحكم فى لسانى عندما قلت له :
– انت انسان حقير وعديم الرحمه
ثم تركته واخذت معى عمران فى سيارتى لتوصيله الى منزله .. واخذنا الحوار الطويل .. وعلمت انه يعانى من قسوة مرض السكر .. كما ان زوجته تعانى من الفشل الكلوى يتطلب معه الغسيل الكلوى … ( مرض الكلى المزمن – CKD – المرحلة النهائية – اى – الفشل الكلوى ..
وابنته الصغرى ( المعاقه ذهنيا ) .. وابنه الاكبر سنا من اخته ( دبلوم صناعه ) .. خرج عمران معاش مبكر من شركه ( بسكو مصر ) .. واصبح دخله ضعيفا جدا … كانت مصاريف علاجه فقط هى سبب الديون المتراكمه عليه .. وحتى زوجته المريضه كانت عاملة نظافة فى حى الجيزه …
عندما تبكى السماء يكون بكاء السماء اقل بكثير من بكاء تلك الام الحزينه والمريضه .. على الاقل بكاء السماء هو مطر للرزق .. اما بكاء ( المساكين والمحتاجين والمظلومين ) هو ( بكاء الملائكه ) ..
هؤلاء لايعرفون ( السيمون فيميه .. والكفيار .. والاسكالوب .. ولحم الغزال والشمبانيا .. والكورفوازيه والاولد بار .. وشانيل وكريستيان ديور والساحل الشمالى والجونا والسيجار الكوبى ) والعلاج فى باريس ولندن ونيويورك وبرلين … والمرسيدس .. والبورش .. والكورفيت .. واللامبورجينى .. والبى ام والجاجور .. واللاند كروزر )
هؤلاء لايشغل بالهم الطعام .. لايريدون الرفاهيه .. هؤلاء يحتاجون الى الحنان والعطف والعلاج .. نعم العلاج … نعم العلاج .. اكررها العلاج … وانا فى مقالى هذا اصرخ .. نعم اصرخ .. وارفع صوتى الى الجميع .. واقول ( مستشفياتنا الحكوميه واساليب علاج المرضى ( خاصة ) الفقراء .. تحتاج الى مزيد من الاهتمام والرعايه والرقابه …
الدواء فى مصر اصبح مشكلة المشاكل .. ولم ولن اكون مبالغا ان قلت ان كثير من البسطاء يموتون لعدم قدرتهم على توفير ادوية العلاج …
منظومة ( التأمين الصحى ) فاشله تماما وتحتاج فورا الى تدخل معالى رئيس الوزراء فورا .. فورا .. فورا

اقتحم صمتى طفل صغير لم يتعدى السبع سنوات تقريبا يطرق على زجاج سيارتى .. طفل جميل الملامح ذو ابتسامه سحرتنى .. رغم ملابسه ( المتسخه ) فتحت الزجاج فقال لى بخفة ظل وبراءة
– ممكن تكملى على النص جنيه ده علشان اجيب رغيف طعميه .. فابتسمت للطفل وقلت
– طعميه بس ؟ ولا عايز حاجه تانيه مع الطعميه .. اصل بصراحه انا كمان جعان جدا وموش لاقى حد اعزمه ونأكل سوا ..
الطفل لم يبتسم .. بل ضحك ضحكة مسموعه وكأنه يقول لحاله
– ايه الرجل العبيط ده اللى عايز يعزم اى حد على الاكل ؟!!
فالطفل الجميل لايعرف انه دخل قلبى بسرعة الصاروخ فملامح وجهه البريئه الجميله حركت فى اعماقى كل الحنان والعطف وغريزة الابوه .. وظل بيومى … ( الطفل اسمه بيومى ) ظل معى حتى وصلت الى هدفى وهو اسرة الراحل مجدى بعد ان تركت سيارتى وترجلت انا والطفل بيومى على قدمى بين بسطاء وفقراء حى ضمن احياء المحروسه ( مصر ) ..
واثناء ترجلى .. شاهدت عينى قسوة الحياه .. ومعاناة البسطاء .. ورغم كل ذلك فهم دائما يقولون ( الحمد لله ) هذا لايعنى اننى لم اشاهد ايضا كثير من المجرمين والمسجلين خطر و( صبيان ) تجار المخدرات … هذا لايعنى اننى لم ارى سلبيات بعض الناس وهمجية البعض الاخر وفوضى اغلبيتهم ..
انه صراع الاجيال .. صراع الخير والشر .. ولم يكن ابدا ( صراع الفقير والغنى ) لان تلك الاحياء فيها ايضا اصحاب المال وكثير من الاغنياء وهو الامر المثير للدهشة والتعجب ..
واجمل مافى رحلتى كان الطفل ( بيومى ) الذى اثار انتباهى وهو يضع بتلقائيه انامله الصغيره فى حضن ( كفى ) وكأن اصابعه الصغيره وجدت فى كفى العريض الحنان الدافىء .. فقلت له ..
انا عايز استريح شويه فى اى قهوة .. ايه رائيك اعزمك على حاجه ساقعه وانا اشرب قهوه لانى مصدع ..
وبالفعل جلسنا فى مقهى صغير … وللاسف هجمت فوق رأسى مرة ثانيه امواج بحر الذكريات .. وتذكرت الراحل عمران … تذكرت ذلك اليوم الذى ركب فيه معى سيارتى بعد طرده من العمل وكنت متجها به الى بيته .. وعندما اقتربنا من الحى طلب عمران ان نتوقف قليلا .. فهو كان يرغب فى زيارة احد معارفه ليساعده فى الحصول على عمل اخر … وقبل ان يتركنى الرجل .. قال :
– انا موش عايز حضرتك تبهدل عربيتك فى الشوارع اللى جوا .. انا على العموم ساكن اخر الشارع ده .. وفى اخره فى سوق كبير وبعد منه فى حته اسمها عزبة الخشب انا ساكن فيها .. لو حصل حاجه .. ا..أأ .. أأأأأ
اوقفت الرجل عن الكلام .. وكنت شديد الاصرار على توصيله حتى وان كان يسكن فى قاع الجحيم .. كما اننى طلبت منه عدم اللجوء لاى شخص من اجل الحصول على عمل … ووعدته بوظيفه طيبه وعائد شهرى ممتاز … وصدقت فى وعدى .. واستلم عمران عمله الجديد … الا انه رحل عن الحياه بعد ماتعرض له من الم وشدة نتيجة ( غرغرينه القدم السكرى ) … وبعد رحيله استمر الود والقرب بينى وبين اسرته الصغيره .. حيث حصل ابنه على وظيفه واثنين وثلاثه واربعة وظائف ولكن لم يحقق هدف العيش بكرامه فى تلك الوظائف ..
وانا فى مقالى هذا اسلط الضوء على اصحاب المحال التجاريه والشركات الصغيره التى تستعبد الشباب 12 ساعه عمل بأجر لايكفى حتى المواصلات ووجبه واحده فقط (!!!)
ماهذا الافتراء والظلم … كيف يعقل ان شاب فى بداية شبابه يعمل 12 ساعه يوميا ثم ساعتين قبل وبعد ( ذهابا وايابا ) من والى البيت .. ثم ساعه للاستحمام او تناول الطعام وساعه اخر مع اهل بيته .. 15 ساعه متواصله فى يوم فيه 24 ساعه ( ؟!! ) كل هذا مقابل 3000 او 4000 جنيها فقط لاغير منهم مواصلات يوميا 30 جنيها على الاقل – اى – من 900 الى 1000 جنيه مواصلات شهريا .. ووجبه واحده قد تصل الى 30 جنيه على الاقل يوميا – اى – 1000 جنيه شهريا .. مع علبة سجائر ارخص نوع – على الاقل 40 جنيه يوميا – اى – 1200 جنيه فى الشهر !! انا هنا اقول مواصلات ووجبه واحده وسجائر ( فقط لاغير ) اى – 3200 – فى الشهر من اجمالى راتب شهرى 3000 جنيه او 4000 حنيه .. ماذا تصنع 800 جنيه او حتى 1800 جنيه لشاب يحاول ان يصنع لنفسه حياه ومستقبل ..
واختار ابن الراحل عمران ان يعمل فى المعمار .. فلقد حصل على عمل فى شركه من شركات المقاولات بأجر يومى 250 جنيه يصل الى 300 جنيه اغلب الايام – وكانت سعادته بالغه … واجمل لحظات السعاده التى كان يعيشها هى لحظة صعوده الى ( السقاله ) .. كان يقف على ارتفاعات وهو سعيدا واحيانا يضحك وكأنه يطير فى السماء … حتى السماء احبته حبا جما .. وتمنت صعوده اليها بنفس سعادته هذه .. انه سعيد لانه حصل على عمل يستطيع من خلاله ان ينفق على اخته المعاقه وامه التى تركت عملها نتيجة شدة مرض الكلى .. انه بتلك الوظيفه يستطيع علاج امه .. انه بالفعل يعيش كل يوم لحظات السعاده التى تتمناها السماء ان تستقبله بها .. وتحققت امنية السماء .. وسقط الشاب من اعلى .. سقط من (( سقالة الموت السعيد )) … بكت السماء …
علمت بالخبر .. وقررت الذهاب الى بيت عمران .. تحركت بسيارتى متجها الى تلك المنطقة ( الشعبيه ) شديدة الفقر وقد وجدت بعد وصولى صعوبه بالغه فى الوصول الى هدفى حيث تسكن تلك الاسره … تركت السيارة وترجلت مع بيومى الطفل الجميل الملامح .. الذى اقتحم صمتى للمرة الثانيه وهو يصرخ ويقول :
– هو انت على طول سرحان كده … ايه موش عايز تروح عزبة الخشب
ابتسمت وقلت للطفل الجميل :
– عايز اروح وموش عايز اروح .. عايز اروح علشان ده واجبى .. وموش عايز اروح لانى خايف توصلنى ومااشوفكش تانى بعد كده
ضحك الطفل بصوت مسموع واخذ يتحدث بتلقائيه .. ويقول
– هو انت اسمك ايه .. طب بتشتغل ايه .. وا .. و…و ..و ..و ..و ,,,,, ووووو .. ووووووو
ثم توقفت السماء عن البكاء .. والملائكه ايضا .. وظلت ليلة الشتاء تلك تزعج الابرياء بالبرق والرعد فى ظلام الليل .. حتى شق انين البسطاء صدر الفضاء .. وكان نداء الحق يدعو لصلاة الفجر .. فوجدت قلبى يتلو قوله تعالى :
( أهم يقسمون رحمة ربك .. نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا .. ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون )