كتب : مصطفى سيد.
في شوارع محافظة الجيزة، وبالقرب من نادي الزمالك، أصواتٌ خافتةٌ تأتي من مقهى صغير في حي ميت عقبة، حيث اعتاد مشجعو الزمالك الجلوس، وجوه عابسة، وعيون تحدّق في هواتفها بدهشة وحيرة، تزامنًا مع استعداد الفريق لمباراة هامة في كأس الكونفدرالية الإفريقية.
من أحد الزوايا، قال أحد المشجعين بنبرةٍ مندهشة:
“هل زيزو حقًا كان في السفارة الأمريكية من أجل تأشيرة كأس العالم للأندية بعد أن وقّع للنادي الأهلي؟”
ثم انطلقت من مذياع المقهى أغنية عبد الحليم حافظ:
“أقول للزين سلامات… ضيّعت عليه العمر يا بوي… دنا ليا معاه حكايات… حكايات…”.

هكذا بدأت حالة من الحزن الجماعي، استدعت ذكريات جماهيرية مرتبطة بلاعبٍ كان يومًا نجمًا فوق الأعناق. أحدهم يهمس:
“أتتذكر يوم قدومه إلى الزمالك؟ كنا نرفضه، ثم أحببناه، رفعناه إلى مصاف الأساطير… لكنه الآن اختار القميص الأحمر”.
*من لاعبٍ مجهول إلى نجم لا يُنسى*
في شتاء عام 2019، أعلنت إدارة نادي الزمالك تعاقدها مع لاعب قادم من نادي “موريرينسي” البرتغالي يُدعى أحمد سيد زيزو. لم يكن الاسم مألوفًا لدى جماهير القلعة البيضاء، ما أثار موجة من الانتقادات على منصات التواصل الاجتماعي آنذاك، حيث تساءل البعض:

“من هذا الذي لم يسمع عنه أحد؟ كيف يغامر الزمالك بالتعاقد مع لاعب مجهول لم يحقق شيئًا في أوروبا؟”
لكن سرعان ما تغيّرت الصورة.
في السادس والعشرين من مايو 2019، في نهائي كأس الكونفدرالية الإفريقية أمام نهضة بركان المغربي، امتلأ استاد برج العرب بالجماهير، والقلوب محبوسة بين ضربات الترجيح. تقدّم زيزو لتسديد إحدى الركلات الحاسمة، وسجل بثبات، ليفجّر فرحة تاريخية في مدرجات الزمالك.
كانت تلك اللحظة نقطة التحول الكبرى في علاقته بالجمهور. من لاعب غير معروف، أصبح زيزو “الفارس الأبيض الجديد”، يهتف له المشجعون في كل مباراة، ويُنظر إليه كرمزٍ للروح القتالية والولاء للشعار.
*يفكر كـ أوروبي.. ويقاتل كـ فارس*

لم يكن بريق زيزو في بداياته نابعًا فقط من مهاراته الفنية، ولا من سرعته أو دقة تسديداته، بل من طريقته في التفكير داخل وخارج الملعب.د، فقد امتلك اللاعب ما يُعرف في الوسط الكروي بـ”عقلية المحترف”؛ لاعب يعرف متى يتكلم، ومتى يصمت، ومتى يتحرك.
في السنوات الأولى له مع الزمالك، بدا زيزو كلاعب يستوعب طبيعة النادي وتاريخه، فكان يعمل في صمت، يطوّر من أدائه تدريجيًا، ويُظهر احترامًا واضحًا للشعار الذي يحمله على صدره.
وسرعان ما أصبح من اللاعبين الذين تقاتل الجماهير لأجلهم.
يحتفل بجنون مع الأهداف، يبكي مع الخسائر، ويمد يده للجماهير بعد كل سقوط.

وبين التدريبات والمباريات، وبين الأرقام والنتائج، كان الجمهور يكوّن صورة ذهنية عن زيزو: “نجم من الزمن الجميل”، لاعب يشعر بقيمة الانتماء، يحلم أن يُخلَّد اسمه في تاريخ الزمالك، ويحجز لنفسه مكانًا بجوار أسماء بحجم حسن شحاتة، فاروق جعفر، وعبد الحليم علي وشيكابالا.
*لحظات لا تُنسى من ذاكرة الزملكاوية*
لم تكن الأرقام وحدها هي التي صنعت مكانة زيزو في قلوب جماهير الزمالك، بل اللحظات التي تجاوزت حدود المستطيل الأخضر.
مشاهد إنسانية خالصة، ومواقف لا تُقاس بالإحصائيات.

“ليلة إيسترن كومباني”
في مباراة معقّدة، كان الزمالك في طريقه لتعادل مخيب، لكن في الدقيقة 90، انفرد زيزو بالمرمى وسجل هدفًا قاتلًا، المشهد الذي حُفر في ذاكرة الجماهير لم يكن الهدف ذاته، بل طريقة احتفاله: اندفع نحو المدرجات، خلع قميصه، قفز إلى الجماهير، وحمله أحدهم على كتفيه في مشهد عاطفي خالص.
لاحقًا، تبيّن أن هذا الشخص الذي احتفل بجنون مع زيزو لم يكن مشجعًا عاديًا، بل أحد أفراد الإسعاف العاملين في المباراة، خرج من عباءته الرسمية ليحتفل بصدق مع نجم الفريق.
نهائي الكونفدرالية 2024: دموع فارس أبيض

في استاد القاهرة الدولي، وأمام آلاف المشجعين، حتى أنك لن ترى لون كراسي المدرجات، وقف زيزو في مشهد لن يُمحى من الذاكرة.
قبل صافرة البداية، وبينما كان يتجه للإحماء، لمح الجماهير تملأ المدرجات وتعلّق عليه الآمال، فذرف الدموع من شدّة التأثر.
وبعد نهاية المباراة وإعلان تتويج الزمالك بالكونفدرالية الإفريقية، لم يتمالك نفسه.
انفجر بالبكاء، وانهار على أرض الملعب، في لحظة بدت وكأنها امتزاج بين الحلم والوفاء والانتماء.
كان المشهد أشبه بنهاية ملحمة، لكنه – كما اتضح لاحقًا – لم يكن نهاية القصة، بل بداية لفصلٍ جديد، ومفاجئ.
وعود وأحلام: “أعاهدكم ألا أترك الزمالك”.

طوال ظهوره الإعلامي خلال السنوات الماضية، لم يغب الحلم الأبيض عن كلمات زيزو، في كل حوار، وعلى كل منصة، كان يكرّر جملة صارت شعارًا يتداوله الجمهور:
“لن أترك الزمالك مهما كانت الظروف والمغريات… حلمي أن أصبح الهداف التاريخي للنادي.”
وكانت الجماهير تستقبل هذه التصريحات بقلوب مفتوحة، تراها وعدًا صادقًا، وتراهن على استمراره ضمن قائمة أساطير النادي، جنبًا إلى جنب مع شيكابالا، حازم إمام، وحسن شحاتة.
وبمرور الوقت، لم تُصبح كلمات زيزو مجرد وعود، بل تحوّلت إلى ما يشبه “العهد العاطفي” بينه وبين الجماهير، الذين حفظوها ورددوها كأنها ميثاق مكتوب على جدران القلعة البيضاء.

علاقة عشق تجاوزت المستطيل الأخضر
زيزو لم يكن مجرد لاعب يُشاهد على الشاشة، بل بات أقرب لأحد أفراد العائلة لكل زملكاوي.
كان حريصًا على التفاعل مع الجماهير، يرد على رسائلهم، يلوّح لهم في المدرجات، ويُشعرهم دائمًا بأنه ينتمي إليهم.

الأطفال كانوا يقلّدون احتفالاته، واللافتات التي تحمل اسمه انتشرت في المدرجات، حتى حافلة الفريق لم تسلم من محاولات المشجعين لإلقاء التحية عليه.
هذا التفاعل المستمر لم يكن عاديًا، بل خلق حالة استثنائية من الارتباط بين لاعب وجمهور، قلّما تتكرر في ملاعب الكرة المصرية.

مخ
في الوقت الذي كانت فيه جماهير الزمالك تُمني النفس بتجديد تعاقد زيزو، كانت الأخبار تتوالى كل عامين عن احتمالية رحيله، في سيناريو بات مألوفًا ومتكررًا.
كل فترة انتقالات، صيفية أو شتوية، كانت وسائل الإعلام تتناقل أرقامًا ضخمة، وتفاصيل معقدة:
“زيزو يطلب 60 مليون”، “والده يشترط عمولة”، “العرض مرفوض من الإدارة”…
ورغم الضجة الإعلامية التي كانت تحيط بهذا الملف، فإن النهاية في كل مرة كانت واحدة: زيزو يجدد.
لكن هذه المرة، بدا المشهد مختلفًا… والضباب كان أثقل من أن ينجلي بتجديد سريع.
*الأخبار تتسرب… زيزو بالأحمر؟*

لطالما قيل إن كرة القدم لا تعرف الوفاء الأبدي، لكن جماهير الزمالك لم تكن تتوقع أن تنطبق هذه القاعدة على زيزو.
في صباح بدا عاديًا، تسلّلت أنباء انتقاله إلى النادي الأهلي كالصاعقة، أولًا كـ”شائعات” عبر السوشيال ميديا، ثم بدأت المصادر المقربة تؤكد، قبل أن تتحول القصة إلى مادة رسمية على مواقع رياضية موثوقة.

زاد من تعقيد الصورة ظهور معلومات تشير إلى استخراج زيزو تأشيرة سفر للولايات المتحدة، تمهيدًا للمشاركة مع الأهلي في كأس العالم للأندية 2025، مع أنباء أخرى تُفيد بأنه ماطل في تجديد عقده مع الزمالك لأشهر.

بينما العيون تنتظر: كانت الكواليس تكتب فصولًا أخرى، وامتلأت الكواليس بأحاديث صامتة بدأت تخرج إلى العلن.
في تصريحات نقلها الإعلامي هاني حتحوت، قال زيزو صراحة بعد انتشار أخبار تفيد تجميده من جانب الزمالك:
“يا ريت يتم تجميدي، أنا أصلاً محتاج راحة… كنت هتضايق لو تم إيقافي في يناير، لكن دلوقتي شهر واحد راحة هيفرق معايا جدًا، وهارجع بكامل لياقتي للفريق الجديد”.
وأضاف:
“أنا على وشك الانفجار… ولو الزمالك طلع بيان يخلّي الناس تشوفني كإني خنت، فأنا كمان جاهز ببيان، بس لسه سايب الباب مفتوح للحل… وما بهربش من المواجهة”.

اللاعب الذي طالما اتُهم بالطموح المادي، كشف عن تفاصيل جديدة بخصوص الإرهاق البدني الذي يعانيه منذ أشهر، قائلًا:
“عندي التهابات في وتر أكيليس، ومحتاج راحة حقيقية. لو اتعمل سونار، هيبان إني محتاج 3 أسابيع على الأقل بعيد عن الملعب”.
ورغم توالي العروض، كان زيزو واضحًا في دوافعه:
“أمامي بطولة أمم أفريقيا، وحلمي الأساسي هو أكون لاعب أساسي، مش مجرد اسم. والمنافسة الحقيقية موجودة في الدوري المصري. الأهلي عنده فرصة المشاركة في كأس العالم للأندية، لكن الأولوية عندي هي المنتخب”.
وبنبرة حاسمة:
“إذا رحت الأهلي، هصنع تاريخ زي ما عملت في الزمالك… وربنا يبعد عني الإصابات”.
خلف كل قرار… قصة لا يعرفها أحد.
في قلب الأزمة، كان زيزو يعيش صراعًا داخليًا. بدا واضحًا من كلماته أنه لا يريد أن يُصوَّر كخائن، أو يُلقى عليه اللوم وحده. تحدث عن عقده، عن والده، عن تفاصيل صعبة مرّ بها في النادي.
“الناس بتقول إني خلصت كل حاجة، طب لو فعلًا كنت خلصت، هل كنت هسافر جنوب أفريقيا 17 ساعة وأقعد في كرسي بين اتنين ماعرفهمش؟ بدون صالة رياضية، ولا ملعب، ولا فندق كويس؟ كان ممكن أشتكي من رجلي وماسافرش، بس أنا مش بتاع تمثيل”.
“أنا أكثر لاعب لعب مباريات وما اشتكتش، وركبتي مش بقدر أطلع بيها سُلّم… هل حد حاسس؟”.

ولم يخفِ زيزو إحساسه بالخذلان حين روى قصة سيارته التي تضررت داخل النادي، وحين وُعد بتحمّل التكلفة ثم تُرك في النهاية يدفع من ماله الخاص:
“دفعّت 3 مليون جنيه من جيبي، وبعد ما وعدوني قالوا لي: ممدوح بيه قال لما زيزو يخلص موضوعه مع الزمالك نبقى ندفع”.
ثم قال جملته التي تلخص كثيرًا من مشاعره:
“أنا بسأل، ليه تخسر حد أثبتلك أكتر من مرة إنه بيحبك وبيضحي علشان يكمل معاك؟”.

وأكد زيزو في النهاية:
“أنا لم أوقّع لأي نادٍ حتى الآن. والدي ما جلسش مع أي حد غير لما طلبت منه، وده بعد شهور من الانتظار. الناس نسيت إننا أجلنا كل حاجة احترامًا للزمالك. بس لما كل الأبواب اتقفلت، كان لازم أختار”.

*من كانوا يهتفون باسمك… يهتفون اليوم ضدك*
كلمات زيزو لم تؤثر ولو بنسبة قليلة في قلب المشجع الزملكاوي، وفي مشاهد وثقتها الكاميرات، بدأ الغضب الجماهيري يأخذ شكله الواقعي.
في مناطق مختلفة من القاهرة، أُزيلت صور زيزو من الجداريات، وجرى استبدالها بشعارات النادي.
شباب من المشجعين صوروا أنفسهم وهم يمسحون اسمه من على قمصان الفريق، ويرددون كلمات غاضبة، تُخفي خلفها ألمًا.
كانت الرسالة واضحة: “الحب لا يُباع… والثقة لا تُسترد”.
*الزمن يعيد نفسه… والقلوب لا تنسى*
الجماهير، التي طالما وثقت بوعوده، تلقّت الصدمة كمن فقد جزءًا من ذاكرته، أو كأن أحدًا مسح فصلًا كاملًا من تاريخها بلحظة واحدة.

الخيانة لا تعترف بالجغرافيا: من فيجو إلى زيزو
إذا ظنّ البعض أن ما يحدث في الزمالك مجرد “دراما محلية”، فليتذكّروا قصة لويس فيجو، النجم البرتغالي الذي انتقل من برشلونة إلى ريال مدريد، ليُقابل بوابل من الكراهية من جمهور كان يهتف له بلا توقف.
فيجو تحوّل من “أمير كامب نو” إلى رمز للخيانة، وصورته شُطبت من الملاعب، وذُكر اسمه بحسرة حتى يومنا هذا.
هل انتهت القصة… أم بدأت فصلاً جديدًا؟
قد تنتهي العقود، وتتغير القمصان، وتخفت الهتافات
لكن القلوب لا تنسى، والجراح لا تُشفى بسهولة.
ربما لم يخُن زيزو الزمالك، وربما فقط اختار طريقًا يراه مناسبًا لمستقبله.
لكن المشجع العادي لا يحسبها بالأرقام، بل بالذكريات، والدموع، والصور التي عاشت في ذاكرته لسنوات.

المشجع الذي يقف أكثر من ٤ ساعات على قدمه قبل وبعد وأثناء المباراة، يهتف للفريق ويرتبط باللاعبين كونهم يحملون قنيص فريقهم، لا يعرف معنى أن يذهب لاعب للمنافس بسبب المال أو “الطموح” كل ما يعرفه أنك كنت تلعب بقميصنا واخترت بكامل إرادتك أن ترتدي القميص المنافس، وحتى إن كنت صنعت تاريخ، فمن السهل أن يُمحى من عقولنا..