عبدالرحيم عبدالباري
“قلب في كفّ الحياة: قصة معجزة طبية أول أيام العيد في معهد القلب القومي”
في الوقت الذي يحتفل فيه الملايين بعيد الأضحى المبارك، كانت هناك ملحمة إنسانية وطبية تُكتب بحروف من نور داخل أروقة معهد القلب القومي. رضيع لم يتجاوز عمره الخمسة أيام كان على شفا حفرة من الموت، ولكن أيادي الأطباء في هذا المعهد العريق أعادت إليه نبض الحياة في لحظة فارقة، أكدت أن مهنة الطب رسالة تتجاوز المناسبات والعطلات، وأن هناك من لا يعرفون للراحة عنوانًا حين يتعلق الأمر بإنقاذ الأرواح.
مع إشراقة أول أيام عيد الأضحى، تلقى معهد القلب القومي نداءً طارئًا يحمل بين طياته مأساة إنسانية لطفل حديث الولادة، حيث تحرك جزء من قسطرة السرة إلى قلبه الصغير. الموقف كان حرجًا للغاية، والتدخل الطبي لم يكن يحتمل تأخيرًا. هنا تحركت غرفة طوارئ وزارة الصحة بسرعة فائقة بالتنسيق مع غرفة الطوارئ المركزية للهيئة العامة للمستشفيات والمعاهد التعليمية، في مشهد يعكس نموذجًا مثاليًا للتكامل المؤسسي في التعامل مع الحالات الطارئة، حتى خلال الإجازات الرسمية.
صرّح الأستاذ الدكتور محمد مصطفى عبد الغفار، رئيس الهيئة، بأن ما جرى يعكس بوضوح الدور الريادي لمعهد القلب القومي، الذي يرسخ كل يوم مكانته كبيت قلب المصريين، ليس فقط على مستوى التجهيزات الحديثة، بل بما يمتلكه من طاقات بشرية ذات كفاءة عالية، وحرص دائم على التعليم الطبي المستمر. وأضاف أن هذه الواقعة تؤكد أن الخدمة الصحية التي تقدمها الهيئة لا تتوقف عند الظروف، بل تزداد تألقًا في الأوقات الحرجة.
تحدث الأستاذ الدكتور محمد عبد الهادي، عميد معهد القلب القومي، عن تفاصيل دقيقة ومؤثرة للحالة، حيث أكد أن الطفل وصل إلى المعهد في حالة حرجة تتطلب تدخلًا سريعًا بعد أن استقر جزء من قسطرة السرة داخل القلب. وعلى الفور، قاد الدكتور محمد سعد سلطان، زميل طب الأطفال، فريق الحضانة لتجهيز الحالة للتدخل العاجل. هذا التحرك السريع أنقذ حياة الطفل، وبيّن مدى جاهزية الطاقم الطبي لاستقبال مثل هذه الحالات المعقدة، حتى في أيام العيد.
الإنجاز الطبي لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة تعاون وتكامل بين نخبة من الأطباء تحت قيادة الأستاذ الدكتور أحمد معوض الإمام، استشاري القلب وقسطرة العيوب الخلقية. تألق بجانبه فريق التخدير بقيادة الأستاذة الدكتورة رشا حسني، والأستاذ الدكتور أحمد جمال ندا، زميل التخدير. ولم يكن أقل شأنًا دور الحضانة بقيادة الدكتورة هبة وشاحي، والدكاترة: أحمد أبو هاشم، محمود صديق، نعمة إبراهيم، وجهاد محمود. هؤلاء الأبطال صاغوا قصة نجاح لا تُنسى، وكانت نتيجة العمل الجماعي الخالص.
صرّح الدكتور أحمد كامل، نائب عميد معهد القلب، أن هذه الحالة تمثل رمزًا للتحدي والانتصار على المستحيل، وتعكس قدرة المعهد على إجراء تدخلات طبية معقدة بدقة ونجاح مبهر. وأوضح أن الدعم المستمر من الهيئة، والتدريب المستدام للأطقم الطبية، هما ما يصنعان هذه النجاحات المتتالية. وأضاف أن الطاقم الطبي لا يتوقف عن أداء واجبه، مؤكدًا أن إنقاذ حياة هذا الرضيع كان مسؤولية أخلاقية ومهنية لم يتردد أحد في حملها.
بعد إجراء القسطرة القلبية بنجاح ودون أي مضاعفات، غادر الرضيع الحضانة عائدًا إلى منزله، بين أحضان أسرته التي عاشت لحظات من الرعب والرجاء. ما حدث لم يكن مجرد إنقاذ لحياة طفل، بل كان إعادة نبض لعائلة بأكملها. هذه القصة ستبقى واحدة من العلامات المضيئة في سجل إنجازات معهد القلب، الذي يثبت في كل مرة أنه أكثر من مجرد مؤسسة صحية؛ إنه مصنع للأمل، ومحراب للعلم، وميدان للبطولات الطبية.
في وطن لا تزال فيه التحديات الصحية قائمة، تُشرق مثل هذه القصص لتعيد الثقة في مؤسساته الطبية ورجالها. تحية لكل من شارك في هذه الملحمة، وتقدير خاص لمعهد القلب القومي الذي لم يتوقف نبض عطائه حتى في أيام العيد. هذه ليست مجرد قصة طبية، بل رسالة حياة.. فكلما دبّ الخطر في قلب صغير، كانت هناك أيادٍ تحمل الأمل، وتزرع الحياة من جديد.