عبدالرحيم عبدالباري
“صُنّاع الغد: كيف تُعيد وزارة الصحة رسم خريطة القيادة الإدارية في مصر؟”

في زمن تتسارع فيه التحديات وتتبدل فيه معايير النجاح، لا يبقى من المؤسسات إلا من يستثمر في أعظم موارده: الإنسان. هكذا أدركت الدولة المصرية أن بناء كادر إداري مؤهل هو الضامن الأول لبقاء المؤسسات في صدارة الأداء. ومن هنا، جاءت مبادرة وزارة الصحة والسكان، بالشراكة مع الأكاديمية الوطنية للتدريب، لتأهيل قيادات الصف الثاني. إنها ليست مجرد دورة تدريبية، بل مشروع استراتيجي لصياغة مستقبل الإدارة الصحية في مصر، ضمن أفق رؤية “مصر 2030”.
برنامج تأهيل قيادات الصف الثاني لم يكن وليد اللحظة، بل هو نتاج تخطيط دقيق ورؤية ثاقبة تدرك أن الاستدامة الحقيقية في أي مؤسسة لا تأتي إلا عبر صناعة قيادات بديلة. وقد أكد الدكتور خالد عبدالغفار في كلمته أن هذه المبادرة تمثل أولوية وطنية، تندرج ضمن توجه الدولة نحو التمكين المؤسسي وإعداد صفوف متعاقبة من الكفاءات التي تمتلك أدوات العصر، لتكون قادرة على قيادة المستقبل ومواجهة الأزمات بكفاءة.

لعبت الأكاديمية الوطنية للتدريب دورًا محوريًا في تنفيذ هذا المشروع الطموح، حيث لم تكتف بتوفير محتوى تدريبي تقليدي، بل عملت على تصميم برامج متقدمة تمزج بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي. الدكتورة رشا راغب، المدير التنفيذي للأكاديمية، أكدت أن هذه الشراكة تعكس روح التكاتف بين مؤسسات الدولة، وأن الأكاديمية تضع نصب عينيها تلبية احتياجات القطاعات الحيوية، وعلى رأسها قطاع الصحة، لما له من أهمية مجتمعية ومصيرية.
بلغ عدد المتدربين في هذه البرامج 232 متدربًا موزعين على ثلاث دفعات من القيادات الوسطى، والمعاونين، ومرشحي العمل بالخارج، بالإضافة إلى الكوادر المسؤولة عن التعاقدات. هذا العدد الكبير يعكس مدى الجدية في تنفيذ برامج التأهيل على نطاق واسع، بما يعزز من فرص التغيير المؤسسي في الوزارة، ويجعل من هذه الكوادر روافع حقيقية لتحديث آليات العمل وتطوير الخدمات المقدمة للمواطنين.

تميزت هذه البرامج بتنوع محاورها لتشمل القيادة والإدارة والتكنولوجيا والإعلام والإدارة المالية وتنمية الموارد البشرية. كما تميزت الوزارة بإدخال محاور عملية مثل الإسعافات الأولية ومكافحة العدوى والتوعية الصحية، ما يعكس فهماً عميقاً لضرورة التكامل بين الجانب الإداري والجانب الفني. وبهذا التوجه، يصبح المتدرب أكثر شمولاً في نظرته، وأقدر على اتخاذ قرارات فعالة في بيئات معقدة وسريعة التغير.
لم تقتصر الرؤية التدريبية على التلقين من طرف واحد، بل أُتيح للمتدربين التعبير عن آرائهم واقتراحاتهم، في مشهد يعزز مفهوم المشاركة والتفكير النقدي. وقد طالب بعض المشاركين بإدراج مشروع تخرج تطبيقي لكل برنامج، ما يؤكد وعيهم وحرصهم على أن لا يظل التدريب حبيس القاعات، بل يتحول إلى تجارب واقعية قابلة للتنفيذ داخل بيئة العمل. هذا النهج سيساهم في تعظيم فاعلية التدريب وربط المعرفة بالممارسة.

لم تقف الوزارة عند حدود ما تم إنجازه، بل أعلنت استعدادها لإطلاق برامج تدريبية جديدة، تشمل العاملين في المكاتب الفنية، وبرامج متخصصة لقادة الأزمات، وبرنامج “المرأة تقود”، الذي يعكس اهتمام الدولة بتمكين المرأة ومنحها دورًا فاعلًا في صناعة القرار الصحي. إن التوسع في هذه البرامج يؤكد أن الوزارة لا تتعامل مع التدريب كموسم، بل كمكوّن دائم ضمن استراتيجية التطوير المؤسسي.
كل بنية تحتية، مهما بلغت تكلفتها، لا تُثمر ما لم تُدار بعقول مؤهلة ومبادرات واعية. من هنا يتضح أن وزارة الصحة لم تضع التدريب في خانة الترف الإداري، بل في صلب العمل الجاد لتجديد الدماء وضخ روح جديدة داخل مؤسساتها. إنها رسالة ضمنية بأن التطوير الحقيقي لا يُقاس بعدد الأجهزة أو المباني، بل بكفاءة العنصر البشري وقدرته على التعامل مع تلك الأدوات وتحقيق أقصى استفادة منها.

يقدم هذا البرنامج نموذجاً لما يجب أن تكون عليه باقي الوزارات والمؤسسات الحكومية في مصر. فحينما تُبنى جسور الشراكة بين المؤسسات التدريبية والوزارات التنفيذية، وتُصاغ البرامج من واقع الاحتياج وليس من قوالب جاهزة، فإن النتيجة تكون كادرًا إداريًا مسلحًا بالمعرفة، وبيئة عمل أكثر احترافية، وشعوراً عاماً بأن الوطن يُدار بعقول واعية ومهارات متطورة، وهذا لبّ ما تستهدفه رؤية “مصر 2030”.
ما بين رؤية واضحة وإرادة سياسية، تقف وزارة الصحة على أعتاب مرحلة جديدة من التميز الإداري والتنموي. فبرنامج تأهيل قيادات الصف الثاني ليس مجرد تدريب، بل خطوة نوعية نحو بناء جيل قيادي واعٍ، قادر على مواكبة طموحات الدولة ومواجهة التحديات الصحية الراهنة والمستقبلية. إنه درس في أن التنمية تبدأ من الإنسان، وتزدهر حين يُستثمر فيه كما يجب، ليصبح أداةً للتغيير وصانعًا للنهضة.