للوقت قيمة عظيمة في الإسلام تظهر في كثرة قَسَم الله به كقوله: {وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ .. وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ}، {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ}، {وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ}، {وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ}، والله لا يقسم إلا بعظيم فدلَّ ذلك على عظمة الوقت عند الله، وبالتالي فهو عند المسلمين عظيم لو أحسنوا إدارته، كما تظهر قيمة الوقت في ارتباطه بالعبادات، فلا تُقبَل العبادة قبل وقتها؛ قال الله: {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا}، و{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ .. فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}، و{الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ}، و{كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ}، بل إن بعض النوافل مقيَّدة بالوقت، فصلاة الضحى لا تُؤدَّى قبل طلوع الشمس، قال الله: {سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ}، وصلاة التهجد لا تصلح بعد الفجر، قال الله: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ}، وصلاة الوتر لا تُؤدَّى بالنهار، ويكره صيام الجمعة أو السبت أو الأحد منفردا، ومثلها عبادات أخرى، وهذا النظام التعبُّدي الدقيق يعلِّم المسلم حُسن إدارة الوقت؛ فلا يستعجل عملا قبل وقته، ولا يؤجِّل عملا عن وقته، ولا يؤخر موعدا حدَّده، ولا يخلف موعدا قطعه، ويعلِّمه احترام الوقت فلا ينفقه هباءً، وقد أدرك الآخـر قيمة الوقت فتقـدَّم، وتخلَّفنا نحن!
ــ إضافة إلى ذلك فإن الوقت نعمة عظيمة تستوجب الإيمان والشكر، قال الله: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا}، لكن أكثر الناس لا يدركون، ففي الحديث «نِعْمتانِ مَغبُونٌ فيهما كثيرٌ منَ النَّاسِ الصِّحَّةُ والفَراغُ»، والغبن النقص والغش والخداع في البيع والشراء، يقال: غَبَن فلان فلانا إذا نقصه حقه في السلعة أو غشَّه أو خدعه، ثم استُعمِل مجازا في غير ذلك، فسُمِّي يوم القيامة يوم التغابن، قال الله: {يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَٰلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ}، أي يَغبِن فيه أهلُ الجنة أهلَ النار بأخذ أماكنهم في الجنة، ويَغبِن أهلُ النار أهلَ الجنة بأخذ أماكنهم في النار؛ لأن كل إنسان له مقعد في الجنة ومقعد في النار، ففي الحديث «لا يدخلُ الجنةَ أحدٌ إلا أُرِي مقعدَه من النارِ لو أساء ليزدادَ شكرًا، ولا يدخلُ النارَ أحدٌ إلا أُرِي مقعدَه من الجنةِ لو أحسنَ ليكونَ عليه حسرةً»، والغبن في الصحة والفـراغ فقدهما، فلا ينتفع بهما معظم الناس فهم مغبونون فيهما أي خاسرون، ولا يعرفون قَدْرَهما إلا إذا فقدوهما بالمرض أو الانشغال أو الموت، وحينئذ يندمون ولا ينفع الندم؛ قال تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ} فيردُّ الله: {كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ}.
ــ وسوف يُسأَل المرء عن نعمة الوقت كيف وظَّفها؟ يقول النبي: «لا تَزولُ قدَما عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يُسألَ عن عُمُرِهِ فيما أفناهُ، وعن جسمِهِ فيمَ أبلاهُ، وعن عِلمِهِ فيمَ فعلَ، وعن مالِهِ من أينَ اكتسبَهُ وفيمَ أنفقَهُ»، فالمراد بالعُمُر الوقت، وفي الأثـر «مَا مِنْ يَوْمٍ يَنْشَقُّ فَجْرُهُ إِلَّا وَهُوَ يُنَادِي بِلِسَانِ الحَالِ: يَا ابْنَ آدَمَ، أَنَا خَلْقٌ جَدِيدٌ وَعَلَى عَمَلِكَ شَهِيدٌ، فَاغْتَنِمْنِي فَإِنِّي لَا أَعُودُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ»؛ لذا يجب أن يستثمره المؤمن فيما ينفع، عملا بقول النبي: «اغْتَنِمْ خَمْساً قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هِرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاءَكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ»؛ فننصح الشباب أن يستثمروا أوقاتهم في العمل الصالح لهم وللمجتمع، ففي الحديث « خيرُكُم مَن طالَ عُمرُهُ وحسُنَ عملُهُ»، وما أكثر الأعمال الصالحة! فكل عمل يعود بالنفع على الشخص أو على المجتمع هو عمل صالح يُثاب عليه.
ــ ولا يصحُّ أن يُهدِر الشباب أوقاتهم فيما لا ينفع كالمواقع الإباحية والألعاب والأفلام والمسلسلات الهابطة المدمِّرة للقيم الأخلاقية في المجتمع، فإهـدار الوقت في ذلك يُورث الندم؛ لذا يقول النبي: «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعًا: هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا، أَوْ غِنًى مُطْغِيًا، أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا، أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا، أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا، أَوْ الدَّجَّالَ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ، أَوْ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ؟»، أي استثمروا أوقاتكم في فعل الخير قبل أن يأتي فقـر يشغل صاحبه بطعامه فيُنسِيه فعل الخير، أو غِنى يُطغِي صاحبه فيبعده عن الخير، أو مرض مفسد للبدن فيمنعه من الخير، أو شيخوخة تؤدي إلى خفة العقل فلا يميز بين الشر والخير، أو موت مفاجئ يحرمه من فعل خير، أو فتنة الدجال فتشغله عن كل خير، أو قيام الساعة فلا عمل للخير.