في زمن تتغير فيه الأوطان بتوقيع، وتُصنع فيه القرارات بكلمة، تصبح المشاركة في الحياة السياسية واجبًا لا ترفًا. وحين يتعلق الأمر باختيار ممثلينا تحت قبة البرلمان أو مجلس الشيوخ، فإننا لا نمنح أصواتنا فقط، بل نمنح ثقتنا، ونوقع على مستقبلنا، ونحدد من يتحدث باسمنا في المحافل الوطنية والتشريعية.
الكثيرون ينظرون إلى الانتخابات نظرة سطحية، فيرونها مجرد حدث عابر أو واجب روتيني، لكن الحقيقة أن البرلمان ومجلس الشيوخ هما عينا الشعب وسلاحه في مواجهة التجاوزات، وهما الميزان الذي يحفظ التوازن بين السلطة والمواطن. فالنائب لا يجلس على مقعد مريح، بل على أمانة كبيرة، ومسؤولية أعظم. هو حلقة الوصل بين المواطن وهمومه، وبين الدولة وقراراتها. وإذا لم نحسن الاختيار، أصبح الصوت عبئًا لا قوة، وصار المقعد وسيلة للمصالح لا منصة للحق.
المشاركة ليست مجرد ورقة تُلقى في صندوق، بل موقف واعٍ يحمل بين طياته إحساسًا بالمسؤولية، ورغبة في التغيير، ورفضًا للصمت. فحينما نغيب، نمنح الفرصة لغيرنا ليتحدث عنا، وربما يقرر ما لا يليق بنا. والأسوأ أن يُفسَّر غيابنا على أنه رضا، أو لا مبالاة، وهذا ما يفتح الأبواب أمام من لا يستحق أن يقرر مصير شعب أو يرسم ملامح وطن.
مجلس الشيوخ أيضًا، رغم طابعه الاستشاري، إلا أنه منبر للعقول والخبرات، ومحطة ضرورية لمراجعة السياسات الكبرى التي ترسم خريطة المستقبل. وهو أحد أعمدة الحوار الوطني والتشاور في كل ما يخص الدولة والمواطن على حد سواء. حضوره القوي لا يكون إلا من خلال اختيار من يمتلكون الفكر والرؤية، لا من يتكئون على الشهرة أو المال أو التحالفات.
صوت المواطن أمانة، واستخدامه حق، بل واجب مقدس. فلا تترك المساحة خالية لمن لا يعرفك، ولا تفوض مستقبلك لأشخاص لا يحملون همّك. وإن كان الوطن يُبنى بسواعد أبنائه، فإن الديمقراطية تُبنى بأصواتهم، ولا شيء يُصلح الواقع أكثر من وعي حاضر، ومشاركة فاعلة، وإيمان بأن التغيير يبدأ من الاختيار.
اختر من يُشبهك.. من يفهمك.. من يؤمن بأن الكلمة حق، وأن الكرسي وسيلة لا غاية. شارك بصوتك، لأن التاريخ لا يذكر من صمت، بل من تكلم حين كان الكلام أمانة، ومن اختار حين كان الاختيار واجبًا. فصوتك شهادة، فاكتب بها مستقبلًا يليق بك وبوطنك