في زمنٍ لم تعد الحروب فيه تُخاض بالسلاح والبارود، ظهر جيلٌ جديد من المعارك، معارك لا تُرى بالعين، لكنها تُخرب العقول وتنهك النفوس. نحن أمام ما يُعرف بـ”حروب الجيل الرابع”؛ وهي حروب تستهدف الإنسان من الداخل، تفتت وعيه، وتعبث بثوابته، وتنسف منظومة القيم بهدوءٍ قاتل. ومن أبرز أسلحتها اليوم… تطبيق “تيك توك”.
تيك توك لم يعد مجرد منصة ترفيهية، بل تحوّل إلى مسرح مفتوح للعبث بالعقول والقلوب، حيث تُعاد صياغة المعايير، ويُعاد ترتيب السُلَّم القيمي بطريقة مشوهة. نرى على هذه المنصة الجاهل يُبجل، والفارغ يُصفق له، والسطحية تُسوَّق كذكاء اجتماعي، بينما يُغيب العقل، ويُهاجم العلم، وتُدفن الأخلاق.
ما يفعله تيك توك أشبه بـ”تجريف نفسي وجماعي”. فالمقارنات الوهمية التي تنشأ بين المتابعين و”المؤثرين” تصيب الإنسان باضطراب داخلي عميق. يرى الشاب من لا يحمل أي محتوى فكري أو قيمة حقيقية، وقد صار نجماً ثرياً، فقط لأنه رقص، أو تفوه بتفاهة ما، بينما هو، رغم علمه أو اجتهاده، لا يزال في الظل. هنا يولد الحقد، ويكبر الإحباط، ويبدأ الانحدار النفسي.
تحوَّل تيك توك إلى معمل لصناعة “المرضى النفسيين الجدد”. أولئك الذين يُعانون من قلة الثقة، والتقليل من الذات، وكره الحياة، لأنهم لم ينالوا ما ناله “المؤثر الجاهل”. بات المعيار ماديًا صرفًا، والصوت للعالي لا للأذكى، وللأغرب لا للأفضل.
ولا يتوقف الأمر عند النفس فقط، بل يمتد ليهدم القيم الاجتماعية واحدة تلو الأخرى. الاحترام، الحياء، العلم، الاجتهاد، كلها صارت مواضيع للسخرية أو التهميش. كلما كنت أكثر ابتذالًا، كلما زاد تفاعل الناس معك، وكلما احترقت بمبادئك، كلما طُردت من مشهد التيك توك.
إنها حرب ناعمة، لا تُسفك فيها الدماء، لكنها تُهدر كرامة العقول. إنها معركة “تفريغ الإنسان” من إنسانيته، واستبدال وعيه بزيفٍ لامع لا يُغني ولا يُثمر. وأخطر ما فيها أنها تغتالك وأنت تبتسم، تُلهيك وأنت تظن أنك مستمتع، تقتلك وأنت تحسب نفسك حيًّا.
إننا لا ندعو إلى الهروب من التكنولوجيا، ولكن إلى الوعي بها، والتمييز بين ما يُبني وما يُهدم، بين المحتوى الذي ينهض بالإنسان، وذلك الذي يهوي به إلى درك التفاهة. فالعقل رأس مالك الحقيقي، فلا تهدره في أسواق الباطل