عبدالرحيم عبدالباري
“سرطان بلا مستقبل: تحالف مصري-بريطاني يفتح أبواب الأمل بعلاج جيني ثوري”

في خطوة استراتيجية تمثل نقلة نوعية في منظومة مكافحة الأورام السرطانية، شهدت العاصمة الإدارية الجديدة اجتماعًا رفيع المستوى جمع بين قطبي الصحة والتعليم العالي في مصر، برعاية دولية من جامعة أكسفورد البريطانية، بهدف تعزيز التعاون البحثي والعلاجي في مجال الأورام. هذا الاجتماع لم يكن بروتوكولياً فحسب، بل كان حجر أساس لشراكة مستقبلية تضع مصر على خريطة العلاج الجيني الحديث، وتفتح آفاقًا واعدة أمام ملايين المرضى الذين ينتظرون بارقة أمل في معركتهم مع السرطان.
أكد الدكتور خالد عبد الغفار، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة والسكان، خلال الاجتماع، أن الدولة المصرية تضع ملف الأورام السرطانية على رأس أولوياتها الصحية، انطلاقًا من التحديات الكبيرة التي تفرضها هذه الأمراض على الصحة العامة. ولفت إلى أن التوجه الوطني يقوم على ثلاث ركائز أساسية: البحث العلمي كقاطرة للتطوير، أنظمة الكشف المبكر كدرع وقائي، وتقديم العلاجات المتقدمة كوسيلة إنقاذ. هذا التوجه يتماشى مع خطة مصر الشاملة لمجابهة الأمراض غير السارية، ويبرهن على أن الإرادة السياسية حاضرة بقوة خلف الملف الصحي.
جاء حضور الدكتور أحمد عاشور، أستاذ ومدير مختبر خلايا السرطان بجامعة أكسفورد، ليعكس جدية التعاون العلمي بين الجانبين المصري والبريطاني. فقد ناقش الاجتماع سبل نقل أحدث ما توصل إليه العلم في تقنيات العلاج الجيني إلى مصر، وفي مقدمتها تقنية CAR-T-Cell الثورية، والتي تمثل بارقة أمل جديدة في علاج أنواع من السرطان مثل اللوكيميا والليمفوما. ويسهم هذا التعاون في تمكين الباحثين المصريين من العمل جنبًا إلى جنب مع خبراء عالميين في ميدان معقد ودقيق، بما يضمن توطين التكنولوجيا بدلاً من استيرادها فقط.
الدكتور حسام عبد الغفار، المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة، أوضح أن الاتفاق شمل تفعيل بروتوكول بحثي لعلاج مرضى اللوكيميا والليمفوما، عبر تبني وتطبيق تقنية CAR-T-Cell داخل مراكز علاج الأورام في مصر. كما تناول الاجتماع سبل تدريب الكوادر الطبية المحلية على هذه التقنية المتقدمة، والتي تعتمد على تسخير خلايا الجهاز المناعي للمريض ذاته في تدمير الخلايا السرطانية. هذا التحول من العلاج الكيميائي التقليدي إلى العلاج المناعي الشخصي يعد نقلة نوعية في طرق التعامل مع السرطان محليًا.
استعرض الدكتور خالد عبد الغفار ما حققته المبادرات الرئاسية من نجاحات على الأرض في مجال مواجهة الأمراض السرطانية، مثل مبادرة صحة المرأة ومبادرات الكشف المبكر عن السرطان، مؤكدًا أنها ليست مجرد حملات بل سياسات عامة متكاملة ذات أهداف مستدامة. وقد أثمرت هذه المبادرات في خفض معدلات الإصابة والوفيات، وساهمت في بناء قاعدة بيانات وطنية دقيقة، مما يهيئ المناخ المثالي لتطبيق الأبحاث المشتركة والبروتوكولات العلاجية الحديثة بشكل فعّال وسريع.
من جهته، شدد الدكتور أيمن عاشور، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، على أهمية التكامل بين قطاعي التعليم والصحة في التصدي للتحديات الطبية الكبرى، وعلى رأسها السرطان. وأوضح أن الجامعات والمراكز البحثية المصرية أصبحت جاهزة الآن لمواكبة التطور العالمي في العلاج الجيني والمناعي، من خلال تعزيز التعاون مع الجامعات العالمية الرائدة. كما أشار إلى أن المرحلة القادمة ستشهد تحولات نوعية في آليات البحث العلمي الموجه لخدمة المجتمع، تماشيًا مع رؤية الدولة لبناء وطن قائم على الابتكار.
ضم الاجتماع نخبة من القيادات والخبراء الذين يمثلون مختلف أطياف المنظومة الصحية والبحثية، منهم الدكتور محمد حساني، مساعد وزير الصحة والسكان لشؤون المشروعات ومبادرات الصحة العامة، والدكتور بيتر وجيه، مساعد الوزير للشؤون العلاجية، والدكتور عمر شريف عمر، القائم بأعمال الأمين العام للمجلس الأعلى للمستشفيات الجامعية. هذا الحضور النوعي يعكس اهتمام الدولة بوجود كافة الجهات المعنية على طاولة واحدة لضمان التنسيق والتكامل، ويؤكد أن ملف مكافحة السرطان بات يمثل أولوية وطنية تتطلب تحركًا جماعيًا على أعلى المستويات.
إن ما تم خلال هذا الاجتماع بين وزارتي الصحة والتعليم العالي وجامعة أكسفورد ليس مجرد اتفاق أو لقاء روتيني، بل هو انطلاقة نحو تغيير قواعد اللعبة في مواجهة السرطان في مصر. فبين البحث والابتكار، وبين الخبرة الدولية والطموح الوطني، تُبنى اليوم منظومة جديدة للعلاج تضع المريض في قلب المعادلة. ولعل الأهم من كل ذلك هو الرسالة التي بعث بها هذا الحدث: مصر تُراهن على العلم، وتضع مستقبل أبنائها بين يدي المعرفة، لا المصادفة.