في زمننا الحالي، ظهر نوع جديد من السيطرة أشبه بالاستعمار، لكنه لا يستخدم الدبابات ولا الصواريخ ولا الجنود، هذه المرة المستعمرون الجدد هم “الخوارزميات” و”البيانات الضخمة ” التي تتحكم بها شركات التكنولوجيا الكبرى .
لكن كيف يحدث هذا؟ هناك طريقتان رئيسيتان:
1. غرف الصدى (Echo Chambers): حيث تظهر لك المنصات فقط الآراء التي توافق ما تعتقد به مسبقاً، وكأنك في غرفة تعيد صدى صوتك فقط وتعزل كل ما هو مختلف .
2. فقاعات المعلومات( Bubbles Filter): وهي مثل حاجز غير مرئي يخصص نتائج البحث لكل مستخدم ويصفي الأخبار والمحتوى حسب الميول الشخصية مما يخلق واقع رقمي متباين بين المستخدمين المختلفين ، فيصبح عالمك الرقمي محدوداً بما تفضله أنت فقط فتعيش في عزله معرفية.
هذه الأساليب تغير طريقة تفكيرنا كمجتمع وتؤثر بشكل كبير على حياتنا السياسية والاجتماعية. مثلاً:
قد تعتقد أن كل الناس يوافقون رأيك لأنك لا ترى سوى من يوافقونك فقط ، قد تصبح أكثر تشدداً في آرائك لأنك لا تسمع الطرف الآخر، قد تتخذ قرارات مهمة بناءً على معلومات غير كاملة.
الأمر يشبه أن تعيش في مدينة لا تسمع فيها إلا صوتك وصوت من يشبهك، بينما الأصوات الأخرى مخفية عنك لا تسمعها . وهذا ما يجعل الحوار بين الناس أصعب ويجعل المجتمع أكثر انقساماً.
أدوات الاستعمار الخوارزمي : تعمل الخوارزميات في المنصات الرقمية على: تحليل أنماط التفاعل السابقة للمستخدم، تقديم محتوى مشابه للمحتوى الذي تفاعل معه المستخدم سابقاً، ومن ثم عزل الآراء المخالفة أو تخفيف ظهورها؛ مما يؤدي إلى تعزيز التطرف الفكري، حيث يصبح الأفراد أكثر تشددًا وتطرفًا في آرائهم دون التعرض لحجج مضادة.
وحري بنا التطرق إلى دراسة أجرتها “مجلة نيتشر” (2021) أظهرت أن 64% من المستخدمين لا يتعرضون لأراء مخالفة لمعتقداتهم واتجاهاتهم ورغباتهم.
ولكن ما تأثير لك على المجتمع ؟ يترتب على هذه الظواهر عدة مخاطر مجتمعية: مثل تآكل العقل الجمعي فعندما يعيش كل فرد في واقع معلوماتي مختلف، تصبح القواسم المشتركة خافته وباهته وهشه ، وبالتالي صعوبة الحوار المجتمعي . ناهيك عن تعميق الانقسامات.
وتؤكد الدراسات وتقارير المخاطر الاجتماعية وتقرير التهديدات الاجتماعية 2025 أن المجتمعات أصبحت أكثر استقطاباً بسبب الخوارزميات. والأخطر استغلال الرأسماليه حيث تستغل الشركات هذه الآليات للتأثير على القرارات الشرائية للمستهلكين.
لكن يبقي التساؤل المطروح كيف نواجه الاستعمار الخوارزمي؟
فكما ناضل الأجداد من أجل الاستقلال السياسي، علينا اليوم أن نناضل من أجل الاستقلال الرقمي، هذا يتطلب وعياً فردياً وإرادة جماعية لضمان أن تخدم التكنولوجيا الإنسانية بدلاً من استعبادها.