في لحظة تحوّل تاريخية، حيث يلفّ صمت القبور قطاع غزة بعد إعلان المجاعة رسمياً، تتجدد التساؤلات المصيرية: هل سترتقي الدول العربية إلى مستوى المسؤولية؟ المشهد لم يعد يحتمل الانتظار؛ أطفال يموتون جوعاً بينما العالم يراقب، وتصريحات استفزازية إسرائيلية تطال الأردن تذكرنا بأن الخطر لا يعرف حدوداً. في هذه اللحظة الحاسمة، يتحول بيان مجلس التعاون الخليجي من كلمات إلى اختبار حقيقي للإرادة، فهل ستتحول الدعوات إلى أفعال قبل فوات الأوان؟
مجلس التعاون.. دعوات تتصاعد والوقت ينفد
أكد جاسم محمد البديوي، الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، في بيان عاجل على “ضرورة التحرك الفوري للمجتمع الدولي للضغط على قوات الاحتلال الإسرائيلية لفتح المعابر وإدخال المساعدات الإنسانية دون قيد أو شرط”. جاء هذا التصريح رداً على إعلان الهيئة الدولية المعنية بمراقبة الجوع “IPC” عن وصول المجاعة في غزة إلى مستويات كارثية، وهو ما وصفه البديوي بأنه “نتيجة طبيعية لسياسات التجويع الممنهج وغير الإنساني التي تنتهجها إسرائيل”. وشدد على موقف دول المجلس الثابت في دعم الشعب الفلسطيني وضرورة توفير الحماية الدولية له.
عمّان تردّ على “أوهام المتطرفين” وتحذّر من التصعيد
لم تكن تصريحات الوزير الإسرائيلي شلومو قرعي، التي ادعى فيها أن ضفتي نهر الأردن “جزء من أرض إسرائيل”، سوى شرارة أطلقت غضباً عربياً رسمياً عارماً. ووصفت الخارجية الأردنية هذه التصريحات بـ”الاستفزازية والتحريضية” والتي “تعكس عزلة الحكومة الإسرائيلية وأزمتها العميقة”. وحذّر الناطق الرسمي سفيان القضاة من أن استمرار هذه السياسات “يهدد الأمن والاستقرار الإقليمي”، مذكراً إسرائيل بضرورة الالتزام بالقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن، ومجدداً دعوة المجتمع الدولي لتحمل مسؤولياته.
تحالف دولي يطالب بفسح المجال أمام الصحافة لكشف الحقيقة
في خطوة تهدف إلى كسر حصار المعلومات، وقّعت 27 دولة على بيان مشترك عبر “التحالف من أجل حرية الإعلام” تطالب إسرائيل بإنهاء الحظر المفروض على دخول الصحافة الأجنبية إلى قطاع غزة بعد أكثر من 22 شهراً من الحرب. وشدد البيان على أن “دور الصحافيين حيوي لتسليط الضوء على الواقع المدمر”، معرباً عن استنكاره للعدد “المريع” للصحافيين الذين قتلوا على يد القوات الإسرائيلية، والذي تخطى الـ 200 صحافي حسب بعض الإحصائيات، وداعياً إلى محاسبة المسؤولين.
عزلة رياضية ودبلوماسية.. النرويج تخصص عائدات مباراتها لغزة
كما تتصاعد العزلة على المستوى الرياضي، أعلن الاتحاد النرويجي لكرة القدم تبرعه بكامل عائدات المباراة المرتقبة بين منتخبيه ومنتخب إسرائيل في أكتوبر القادم، لدعم جهود الإغاثة في غزة. وقالت رئيسة الاتحاد: لا يمكن أن نقف مكتوفي الأيدي أمام المعاناة الإنسانية. هذه الخطوة جاءت بعد تصريحات صادمة لرئيس وزراء اسكتلندا السابق وصف فيها إسرائيل بـ”الكيان المارق”، داعياً إلى فرض “عقوبات اقتصادية ذات معنى” ضدها، فيما واجه المنتخب الإسرائيلي دعوات متصاعدة للإقصاء من البطولات الدولية.
اتهامات أممية مباشرة: المجاعة جريمة حرب وإسرائيل تتحمل المسؤولية
تصاعدت حدة الاتهامات الدولية إلى مستوى غير مسبوق، حيث اتهم مسؤولون أمميون كبار إسرائيل بشكل مباشر بالتسبب في المجاعة. ووصف وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، توم فليتشر، المجاعة بأنها “عار عالمي” و”كارثة من صنع الإنسان”، مؤكداً أنها “كانت يمكن تجنبها لولا العوائق الإسرائيلية الممنهجة”. من جهته، حذّر مساعد الأمم المتحدة لحقوق الإنسان من أن الوفيات الناجمة عن التجويع “قد ترقى إلى جريمة حرب هي القتل العمد”. وطالبت المقررة الأممية الخاصة بالحق في الغذاء الدولَ العربية بأن تكون “أول من يفرض عقوبات على إسرائيل”.
وختامًا: إن اللحظة لم تعد تحتمل البروتوكولات الدبلوماسية الباردة؛ إنها لحظة الحقيقة. المجاعة لم تعد تهديداً، بل هي واقع يقتل أطفال غزة الآن، والتطرف الإسرائيلي لم يعد يهدد فلسطين فقط، بل يمتد إلى الأردن الشقيق. وعلى مجلس التعاون الخليجي والعالم العربي أن ينتقلوا من مرحلة “الدعوة” إلى مرحلة “الفعل”؛ من العقوبات الاقتصادية إلى القطع الدبلوماسي، فصمت التاريخ لن يرحم من وقف متفرجاً على أكبر جريمة إبادة جماعية في القرن الحادي والعشرين. الكلمة أصبحت للعمل.