عبدالرحيم عبدالباري
في صمت قد لا يلتفت إليه الكثيرون، هناك آلاف من المصريين كانوا يعانون بين جدران من الألم: أجساد أثقلتها السمنة حتى ضاقت أنفاسها، وأرواح مثقلة بجراح نفسية لم تجد من يضمّدها. فجاءت مبادرة وزارة الصحة والسكان لتفتح أبواب الأمل، بإطلاق 120 عيادة متخصصة لعلاج السمنة، و80 عيادة للدعم النفسي. إنها ليست مجرد أرقام، بل قصص جديدة تكتب كل يوم لأناس وجدوا أخيرًا من يسمع شكواهم ويمنحهم فرصة للحياة.

تخيلوا شابًا في الثلاثين، كان يخشى صعود السلم بسبب وزنه الزائد، أو سيدة لم تعد قادرة على اللعب مع أطفالها لأن السمنة سلبتها حركتها. هؤلاء كانوا يبحثون عن مخرج، فجاءت عيادات السمنة لتفتح لهم أبواب العلاج والوقاية. ليس مجرد ميزان يُسجل الأرقام، بل طبيب يصغي، ونصائح غذائية تناسب حياتهم، وخطة تغيير تنقلهم من دائرة الإحباط إلى مساحة من الرجاء. والجميل أن الخدمة أقرب ما تكون إليهم، داخل وحدات صحية في قراهم ومدنهم، دون مشقة سفر أو عبء مادي يرهقهم.
وعلى الجانب الآخر، هناك من يعاني بصمت خلف جدار من الوصمة والخوف. فتاة في مقتبل العمر، تكتم دموعها كي لا يصفها أحد بالضعف، أو رجل فقد شغفه بالحياة بعد تراكم الضغوط. هنا تأتي عيادات الدعم النفسي لتمنحهم الحق في البوح، وتفتح لهم مساحة آمنة يجدون فيها من يصغي دون حكم، ومن يساند دون وصمة. أن تجد مكانًا يرحب بك بإنسانيتك قبل مرضك، هو في حد ذاته بداية شفاء. وهذا ما جسدته 80 عيادة تنتشر في المحافظات، كرسالة واضحة: “لسنا وحدنا في مواجهة الألم النفسي”.
الدكتور حسام عبد الغفار، المتحدث باسم وزارة الصحة، لم يكتفِ بالإعلان عن الأرقام، بل كشف عن مراحل مدروسة بدأت بخمسين عيادة للسمنة، ثم تضاعفت لتصل إلى 120، فيما توسعت عيادات الدعم النفسي من 36 إلى 80. هذه ليست أعدادًا صامتة، بل خطوات محسوبة تُبنى على تجارب الناس أنفسهم، وعلى استماع الوزارة لاحتياجاتهم الواقعية. الأمر أشبه برسم خريطة حياة جديدة، كل عيادة فيها نقطة ضوء تضيء طريق أسرة كاملة كانت تبحث عن بصيص أمل.
أما الدكتور عمرو قنديل، نائب وزير الصحة، فكان صريحًا حين أكد أن الوقاية من الأمراض غير السارية هي خط الدفاع الأول. فالسمنة ليست مجرد شكل، بل مدخل لسكري وضغط وقلب منهك. والدعم النفسي ليس رفاهية، بل درع يحمي من الانهيار والصمت القاتل. بهذه الكلمات، أوضح أن الدولة لا تعالج المرض فقط، بل تسعى إلى حماية الإنسان من الانكسار قبل أن يحدث. وكأن الرسالة أن الصحة ليست جسدًا بلا روح، بل جسد وروح يسيران معًا نحو العافية.
الدكتورة رشا خضر، خلال جولتها الميدانية لتفقد هذه العيادات، لم تركز فقط على الأجهزة والكوادر، بل على وجوه الناس ورضاهم. رأت سيدة تبتسم بعد أن فقدت أول كيلوغرامات من وزنها، وشابًا يخرج من جلسة دعم نفسي وهو يقول: “لأول مرة أشعر أنني مفهوم”. هذه اللحظات الصغيرة هي التي تعطي للمشروع قيمته الحقيقية، فالمبادرة ليست جدرانًا أو بروتوكولات جامدة، بل حياة تتبدل أمام أعيننا، ومعاناة تتحول إلى قوة.
الأرقام هنا لم تعد مجرد إحصائيات؛ فهي قصص حقيقية. أكثر من 28,000 شخص طرقوا أبواب عيادات السمنة، ووجدوا فيها بداية جديدة، بينما 15,600 آخرون لجأوا إلى الدعم النفسي ليكسروا جدار الصمت. كل رقم هو إنسان، كل حالة هي حكاية. ومع هذا الإقبال الكبير، يتأكد أن المصريين باتوا أكثر وعيًا بحقهم في الرعاية الصحية، وأن الوزارة تمضي بخطى ثابتة نحو ترسيخ مفهوم “صحة متكاملة” لا تفرق بين جسد مرهق ونفس متعبة.
ليست المبادرة مجرد مشروع صحي، بل وعد إنساني صادق بأن مصر تستمع إلى أبنائها وتستجيب لآلامهم. كل عيادة تُفتح هي رسالة أمل، وكل مواطن يجد فيها سندًا هو دليل أن التغيير بدأ بالفعل. فحين تتلاقى العافية الجسدية مع السلام النفسي، يصبح الطريق إلى وطن أكثر صحة وسعادة ممهدًا، وتتحول المعاناة إلى قصة انتصار، يكتبها المصريون بأنفسهم مع كل خطوة نحو الشفاء.