عبدالرحيم عبدالباري
في مشهد يعكس إصرار الدولة المصرية على بناء منظومة صحية متكاملة، أعلنت وزارة الصحة والسكان عن حصول 16 منشأة رعاية أولية جديدة على اعتماد الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية “GAHAR”. هذه الخطوة تأتي استكمالًا لمسار طويل يهدف إلى رفع مستوى الجودة والأمان داخل الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين، خاصة مع استعداد مصر للتوسع في تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل بجميع المحافظات. إنها لحظة فارقة، تترجم على أرض الواقع رؤية “الصحة للجميع” كحق أصيل لا استثناء فيه.
الاعتماد الصحي ليس مجرد شهادة تعلق على جدران المنشآت، بل هو عملية دقيقة تُعنى بكل تفاصيل الخدمة؛ بدءًا من نظافة المكان وسلامة الأدوات الطبية، مرورًا بكفاءة الكوادر المدربة، وصولًا إلى طريقة تعامل الفريق مع المريض. ومن هنا، فإن حصول 16 منشأة جديدة على هذا الاعتماد يمثل نقلة نوعية، ويؤكد التزام الدولة بتقديم خدمات آمنة وعادلة. هذا النجاح يتكامل مع ما تم إنجازه من قبل، إذ يرفع إجمالي عدد منشآت الرعاية الأولية الحاصلة على الاعتماد خارج محافظات التأمين الصحي الشامل إلى 92 منشأة.
الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث الرسمي لوزارة الصحة، شدد على أن هذا التوسع يعكس استراتيجية واضحة لتطوير منظومة الرعاية الأساسية. فالرعاية الأولية هي “حجر الأساس” لأي نظام صحي ناجح، إذ توفر للمواطن نقطة دخول سهلة وسريعة للحصول على الخدمة، وتضمن الكشف المبكر عن الأمراض قبل تفاقمها. وأضاف أن هذه المنشآت المؤهلة والمعتمدة قادرة على تلبية احتياجات المواطنين وفق أعلى المعايير، بما يعزز ثقتهم في المنظومة الصحية ويضع مصر على طريق تحقيق التغطية الصحية الشاملة بشكل فعلي وملموس.
أما الدكتور عمرو قنديل، نائب وزير الصحة والسكان، فقد أكد أن الاهتمام لا يقتصر على البنية التحتية فقط، بل يمتد إلى بناء قدرات الكوادر الطبية والإدارية. فخلف كل منشأة معتمدة، هناك فرق عمل خضعت لبرامج تدريبية مكثفة، ترفع من كفاءتها وتزيد من جاهزيتها لتقديم خدمات صحية متكاملة وفعالة. وبيّن أن هذا النهج يعكس التزام الدولة بتطوير العنصر البشري جنبًا إلى جنب مع تحسين بيئة العمل، بما يضمن استدامة الجودة، ويُسهم في تعزيز رضا المواطنين، وتحقيق أهداف التنمية الصحية المستدامة على مستوى الجمهورية.
من جانبها، أوضحت الدكتورة رشا خضر، رئيس قطاع الرعاية الأساسية وتنمية الأسرة، أن عملية الاعتماد الصحي ليست مجرد إجراء روتيني، بل هي رحلة تقييم شاملة تتم وفق معايير دقيقة وضعتها الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية. هذه العملية تضمن التزام المنشآت بأعلى مستويات الجودة وأمان المريض. وأكدت أن الحصول على الاعتماد يُترجم إلى خدمات أكثر كفاءة، ويُسهم في بناء الثقة بين المواطن والمؤسسة الصحية، حيث يشعر المنتفع أن حقوقه محفوظة واحتياجاته موضع اهتمام دائم.
ولعل أبرز ما يميز اعتماد منشآت الرعاية الأولية هو انعكاسه المباشر على حياة المواطنين. فهذه المنشآت تمثل الخط الأول للدفاع الصحي عن المجتمع، إذ تُقدم خدمات وقائية وعلاجية أساسية، وتعمل على الكشف المبكر عن الأمراض غير السارية مثل الضغط والسكري. كما أن اعتمادها يعني بيئة أكثر أمانًا للعاملين والمرضى على حد سواء، ونظامًا إداريًا وإكلينيكيًا أكثر فاعلية. هذه المزايا تجعل من كل منشأة معتمدة نموذجًا مصغرًا للنظام الصحي الشامل الذي تطمح إليه الدولة.
مع هذا التقدم، يتضح أن اعتماد 16 منشأة جديدة ليس مجرد إضافة رقمية، بل خطوة استراتيجية نحو ترسيخ معايير الجودة والتميز داخل كل وحدة صحية. إنه استثمار طويل المدى في صحة الإنسان المصري، حيث تصبح الرعاية الأولية قوية وفاعلة بما يضمن نجاح منظومة التأمين الصحي الشامل عند تطبيقها على نطاق الجمهورية. ومع كل منشأة تُضاف إلى قائمة المعتمدين، يقترب الحلم أكثر من التحقق: منظومة صحية عادلة، شاملة، ومستدامة، تجعل المواطن محور الخدمة وغايتها الأولى.
إن اعتماد منشآت الرعاية الأولية يمثل حجر زاوية في بناء مستقبل صحي واعد لمصر. فالطريق نحو التأمين الصحي الشامل لا يُبنى في يوم، بل عبر خطوات مدروسة تعكس التزام الدولة بالمعايير العالمية للجودة والأمان. واليوم، مع اتساع رقعة المنشآت المعتمدة، يتأكد أن مصر تمضي بخطى ثابتة نحو تحقيق منظومة صحية حديثة، تُعلي قيمة الإنسان، وتجعل من “الصحة حق للجميع” واقعًا ملموسًا لا مجرد شعار.