في أروقة السياسة الدولية، حيث تتشابك المصالح وتتباين المواقف، ثمة صوت أوروبي جريء يصدح بالحقائق المؤلمة، رافضًا لغة الصمت أو التبرير.إنه صوت إسبانيا، الممثلة في رئيس وزرائها بيدرو سانشيز، الذي اختار الوقوف على أرضية أخلاقية صلبة، ليُسلط الضوء على ما أسماه “أحلك حلقات العلاقات الدولية في القرن الحادي والعشرين”. من قلب أوروبا، وفي قلب الأزمة، تخرج كلمات سانشيز كصرخة مدوية، تحذّر الغرب من فقدان مصداقيته العالمية، ليس بسبب أعدائه، بل بسبب تناقضاته الداخلية الصارخة. لقد بات السؤال الذي يتردد صداه في كل بقاع الأرض: لماذا يلتزم الغرب بمعايير مختلفة في أوكرانيا وغزة؟ هذا التناقض، الذي يصفه سانشيز بالفشل، لا يهدد فقط سمعة أوروبا، بل يمزّق نسيج النظام الدولي القائم على القواعد، ويفتح الباب أمام قوى جديدة لتُعيد رسم خريطة العالم.
صدمة الازدواجية: غزة في ميزان أوكرانيا
يعبر رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، عن إحباطه من ازدواجية المعايير التي يتبناها الغرب في تعامله مع الأزمات الدولية. فبينما كان الرد على الغزو الروسي لأوكرانيا حازمًا وصارمًا، جاء الرد على الفظائع الإسرائيلية في غزة ضعيفًا ومترددًا. هذا التناقض لا يمر مرور الكرام على العالم، بل يثير تساؤلات جدية حول القيم التي يدعي الغرب الدفاع عنها. يرى سانشيز أن هذا السلوك لا يقوض فقط مكانة الغرب العالمية، بل يجعل من الصعب عليه المطالبة بالثقة والمصداقية في أزمات مستقبلية. وهو يصف رد فعل أوروبا على الحرب في غزة بأنه “فشل” واضح، مشددًا على أن هذا الفشل يُشكّل خطرًا حقيقيًا على النظام الدولي برمته، ويفتح الباب أمام اتهامات بالنفاق، خاصة من دول الجنوب العالمي.
تحدي النظام القديم: ترامب، الصين، والبحث عن بديل
لا يقتصر نقد سانشيز على أوروبا فقط، بل يمتد ليشمل الولايات المتحدة، وخاصة في عهد دونالد ترامب. يقول سانشيز إن الولايات المتحدة، التي كانت المهندس الرئيسي للنظام العالمي بعد الحرب العالمية الثانية، بدأت الآن تضعف هذا النظام بتصرفاتها الانعزالية، مثل الانسحاب من اتفاقية باريس أو خفض المساهمات في برامج المساعدات العالمية. هذا الفراغ الذي تتركه القوة العظمى يفتح الباب أمام قوى أخرى، مثل الصين وروسيا وكوريا الشمالية، التي تسعى لإنشاء نظام عالمي جديد يقوم على العدالة والمساواة. ووفقًا لسانشيز، فإن هذا التراجع الأمريكي يوفر فرصة لأوروبا والمملكة المتحدة لتعزيز قوتهما ونفوذهما، ولكن بشرط واحد: أن تتصرفا أخلاقيًا وبتناسق، وتتجنبا المعايير المزدوجة.
عواقب وخيمة: كيف يغذي تناقض الغرب صعود منافسيه ويضعف موقفه العملي؟
لم تعد هذه الازدواجية مجرد خطأ أخلاقي، بل تحولت إلى ثغرة استراتيجية قاتلة يستغلها الخصوم. ففي أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، تستخدم روسيا والصين خطاب “مناهضة الاستعمار” و”الشراكة بين متساوين” كأداة دبلوماسية فعالة، مغذيين على صورة الغرب المنافق. كل قنبلة تسقط على غزة بينما تُدان القنابل في أوكرانيا، تمنح بكين وموسكو “ورقة رابحة” مجانية في معركة القلوب والعقول، وتقوض بشكل ملموس قدرة أوروبا والولايات المتحدة على حشد دعم دولي لأجندتهما، بل وتُضعف موقفهما التفاوضي في كل الملفات الدولية، من التجارة إلى الأمن السيبراني.
دعوات أوروبية متصاعدة: من الحكومات إلى كرة القدم
تتوالى الأصوات الأوروبية التي تدعم موقف سانشيز. ففي المملكة المتحدة، دعا رئيس الوزراء العمالي كير ستارمر إلى وقف فوري لإطلاق النار في غزة، وأعلن أن الحكومة الإسرائيلية تمنع دخول المساعدات الإنسانية، مما أدى إلى “مجاعة من صنع الإنسان”. كما أكد على ضرورة حل الدولتين.وفي اسكتلندا، ذهب رئيس الوزراء إلى أبعد من ذلك، حيث أعلن اعتقاده بحدوث إبادة جماعية في غزة، ودعا لندن إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية وزيادة العقوبات على إسرائيل. وحتى خارج نطاق السياسة الرسمية، يبرز موقف رئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، ألكسندر تشيفرين، الذي عبّر عن صدمته مما يحدث، ووصف قتل الأطفال جوعًا بسبب مصالح سياسية بأنه “مروع”. هذه المواقف، التي تتجاوز الانتماءات السياسية، تعكس قلقًا إنسانيًا عميقًا وتأكيدًا على أن ما يحدث في غزة هو جريمة ضد الإنسانية.
التوازن الهش: الهجرة والمناخ وفساد الساسة
في خضم هذه الأزمات الدولية، يتطرق سانشيز إلى قضايا داخلية حيوية، مثل الهجرة والتغير المناخي. يرى أن الهجرة ليست مجرد واجب أخلاقي، بل فرصة للنمو الاقتصادي ومواجهة تحديات سوق العمل وتمويل دول الرفاهية. وفيما يتعلق بالمناخ، يحذر من أن الأحزاب اليمينية التقليدية، التي تنسخ سياسات اليمين المتطرف، تقوض الجهود المبذولة لمواجهة حالة الطوارئ المناخية بتحويلها إلى صراعات أيديولوجية. كما يدافع عن نفسه في وجه مزاعم الفساد، معترفًا بوجود بعض القضاة الذين “يلعبون السياسة”، لكنه يؤكد أن الغالبية العظمى من القضاة يلتزمون بواجباتهم. هذه النقاط تُسلّط الضوء على أن التحديات الداخلية التي تواجهها الديمقراطيات الغربية مرتبطة بشكل وثيق بمصداقيتها في التعامل مع القضايا العالمية.
ختاماً: الخلاصة المؤلمة هي أن الغرب لم يعد بحاجة إلى أعداء ألداء؛ فتناقضاته الداخلية كفيلة بهدم مشروعه القيمي من داخله. تحذير سانشيز ليس مجرد صرخة ضمير، بل هو ناقوس خطر يدقّ نذيراً بغروب حقبة الهيمنة الغربية التي أنهكتها ازدواجيتها. العالم الجديد الذي يتشكل لن يُصمَ آذانه عن صيحات الفلسطينيين، وسيحاسب بلا رحمة من يصرّ على لعبة معاييرين. السؤال لم يعد عن ‘صحوة الضمير’، بل عن البقاء على خريطة القوى في نظامٍ لم يعد يغفر للضعف والرياء. الغرب الآن في مفترق طرق: إما أن يلتزم بمبادئه الكونية، أو يسلّم مقود القيادة العالمية لمن هم على استعداد – حسنًا كان أو سيئًا – لطرح أنفسهم كبديلٍ متسقٍ مع خطابه.