في لحظة تاريخية فارقة، حيث تتكشف أبشع صور التطهير العرقي على مرأى من العالم، يُشكل الموقف العربي الموحد خطاً أحمراً في وجه محاولات تهجير الشعب الفلسطيني. تقف مصر والأردن في قلب هذه الجبهة العربية الصلبة، ممثلتين إرادة شعوب ترفض بتصميم تصفية القضية الفلسطينية. هذا ليس مجرد موقف دبلوماسي، بل هو صرخة وجود في وجه مشروع إبادي، وتأكيد أن بعض الخطوط الحمراء لا تقبل المساومة.
وهذا الموقف ليس محصوراً بمصر والأردن فقط، بل يشكل إجماعاً عربياً غير مسبوق. فإلى جانب القاهرة وعمّان، أعلنت السعودية، الجزائر، اليمن، قطر، عُمان، الكويت، ليبيا، وحتى الإمارات رفضها القاطع لأي عملية تهجير قسري للفلسطينيين. وفقاً لمسح أجرته الشبكة العربية لبحوث السياسات في ديسمبر 2023، فإن 94% من العرب يعتبرون القضية الفلسطينية قضيتهم المركزية، و87% يطالبون حكوماتهم بقطع العلاقات مع أي دولة تدعم التهجير القسري. هذه الأرقام تؤكد أن الموقف الرسمي العربي يسير في اتجاه الإرادة الشعبية الجامحة التي ترفض التطبيع مع الاحتلال.
“خط من نار” أردني في وجه التهجير
أكد وزير الاتصال الحكومي والناطق الرسمي باسم الحكومة الأردنية، محمد المومني، أن الموقف الأردني من التهجير القسري يمثل “خطًا من نار” لا يمكن تجاوزه. هذا التعبير القوي يعكس مدى حزم الأردن في مواجهة أي مخططات تهدف إلى إفراغ الأراضي الفلسطينية من أهلها. المومني أشار إلى أن القانون الدولي يعتبر التهجير القسري جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية، مؤكدًا أن حق العودة حق ثابت وأصيل للشعب الفلسطيني. كما وصف أفكار التهجير بأنها “عقلية عنصرية تجاوزها الزمن”، وشدد على أن القدس ستظل بسلام تحت الوصاية الهاشمية، وأن الدولة الفلسطينية حق تاريخي لا يمكن محوه.
مصر ترفض الظلم وتُبقي على الأمل
من جانبها، ترفض مصر أي مشاركة في “ظلم الشعب الفلسطيني”، وتشدد على أن التهجير القسري “خط أحمر” لا يمكن تجاوزه. أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أن مصر والأردن والدول العربية موحدة في هذا الموقف، وأن بلاده لن تسمح بالتهجير تحت أي مسمى، بما في ذلك “التهجير الطوعي” الذي وصفه بأنه “مجرد هراء”. كما كشف عبد العاطي أن المجاعة في غزة “من صنع البشر والاحتلال الإسرائيلي”، بهدف دفع السكان للخروج من أرضهم، مشددًا على ضرورة وصول المساعدات الإنسانية دون قيود. هذا الموقف المصري الثابت يؤكد التزام القاهرة بدعم الشعب الفلسطيني ورفضها المطلق لأي محاولات لتصفية قضيته.
التداعيات الإقليمية: موقف عربي موحّد أم انقسام خفي؟
على الرغم من الوحدة الظاهرة في الموقف المصري الأردني ويدعم هذا الموقف الرسمي إجماع شعبي عربي غير مسبوق، حيث أظهر استطلاع مركز بيو للأبحاث أن 85% من العرب في الشرق الأوسط يعتبرون فلسطين قضيتهم الأولى، و79% يرفضون أي شكل من أشكال التطبيع مع إسرائيل حتى إنهاء الاحتلال. وإلا أن التساؤلات تظل قائمة حول مدى قدرة العالم العربي على تحويل هذه التصريحات إلى ضغط فعّال على الأرض. فبينما تصعد القاهرة وعمان من خطابها الرافض للتهجير، تترقب الشعوب العربية خطوات ملموسة مثل فرض عقوبات اقتصادية أو سحب السفراء أو دفع لمحاكمة إسرائيل في المحكمة الجنائية الدولية. التحدي الحقيقي ليس في رفض الظلم، بل في امتلاك الأدوات لوقفها. هل سيكون هذا الموقف المنفرد لمصر والأردن بداية لصحوة عربية شاملة، أم أنه سيظل صوتاً ينادي في صحراء الصمت الدولي؟.
تعنت إسرائيلي وتدمير متواصل
في ظل هذه المواقف العربية الواضحة، يواصل الاحتلال الإسرائيلي سياسته العدوانية. أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أن “التعنت الإسرائيلي” هو العقبة الرئيسية أمام التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار، وأن إسرائيل تدمر باستمرار الجانب الفلسطيني من معبر رفح. وفي غزة، لا تكتفي آلة الحرب الإسرائيلية بالتجويع والتدمير الممنهج، بل تستهدف كل مقومات الحياة. فمكتب الإعلام الحكومي بغزة أفاد بأن الاحتلال دمر 38 مستشفى و833 مسجدًا و163 مؤسسة تعليمية كليًا. هذه الأفعال الإجرامية، التي وصفها وزير الدفاع الإسرائيلي بتعقيب بسيط “مستمرون”، تُظهر استهانة الاحتلال بالقوانين الدولية، ويأتي هذا التجاهل الصارخ للقوانين بعد شعوره بالأمان من أي عقاب.
صورة إسرائيل المفقودة وانتصار زائف
في خضم هذه الكارثة، تدرك وسائل الإعلام الإسرائيلية أن صورة إسرائيل تدهورت بشكل غير مسبوق في العالم. سياسات حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة، التي تتوهم “النصر الزائف” من خلال قتل الأطفال والنساء وتدمير المنازل والمستشفيات، فقدت مصداقيتها إلى الأبد. فالعالم بأسره، باستثناء الإدارة الأمريكية الشريكة في هذه الجرائم، يرى أن الاحتلال هو احتلال نازي ويجب أن يحاسب دون أي تراخٍ أمام المحاكم الدولية. إن جرائم التطهير العرقي التي يرتكبها الاحتلال ستنتهي بالهزيمة الحتمية، وستبقى وصمة عار على جبين من ارتكبها، بينما تظل القضية الفلسطينية حية في ضمير كل إنسان حر.
وأختم مقالي بالقول: إن ما يجري ليس مجرد أزمة إنسانية، بل هو صراع وجود وحق. فبينما يصر الاحتلال على سياسة التجويع والتهجير، تظل الأمتان الأردنية والمصرية، وكل ضمير عربي حر، ترفع لواء الرفض القاطع لهذا الظلم. إن هذا الموقف الموحد ليس فقط حماية لأمن ومستقبل المنطقة، بل هو تأكيد على أن الشعب الفلسطيني ليس “مجرد أرقام على خرائط الاحتلال”، بل هو شعب له حقوق ثابتة وأصيلة، وأن إرادته في البقاء والصمود أقوى من أي محاولة للتطهير العرقي. إن الرد على هذا العدوان لن يكون بالاستسلام، بل بالصمود والمقاومة، فالحق أبلج والباطل يتلاشى. وهذا الإجماع العربي الرسمي والشعبي يشكل سداً منيعاً في وجه مشاريع التهجير، ويؤكد أن الأمة لم تتخل عن دورها التاريخي في الدفاع عن فلسطين. والسؤال الذي يطرح نفسه هل سيكتب التاريخ أن العرب وقفوا متفرجين أم أنهم كانوا آخر خط دفاع عن فلسطين؟.