عبدالرحيم عبدالباري
في مشهد إنساني عميق يعكس حجم المسؤولية الوطنية والرسالة الطبية السامية، خرج الأستاذ الدكتور محمد عبد المعطي، عميد المعهد القومي للأورام، بتصريحات مهمة عبر شاشة قناة “إكسترا نيوز”، كشف خلالها عن أرقام مذهلة ودلالات عميقة حول الدور الريادي للمعهد في مواجهة السرطان. لم تكن كلماته مجرد إحصائيات جافة، بل كانت خريطة طريق تكشف عن مؤسسة بحجم وطن، تستقبل سنوياً عشرات الآلاف من المرضى، وتفتح أبوابها لكل إنسان، بلا تفرقة أو حدود، لتظل عنواناً للرحمة والعلم معاً.
أعلن الدكتور عبد المعطي أن المعهد القومي للأورام يستقبل ما يقارب 35 ألف مريض سنوياً، وهو ما يعادل ربع عدد مرضى الأورام في مصر. هذا الرقم وحده يكفي ليضع المعهد في صدارة المؤسسات الطبية التي تحمل على عاتقها أكبر تحدٍ صحي يواجه المصريين. ففي بلد يواجه فيه المواطن تحديات صحية واقتصادية متعددة، يظل وجود مؤسسة بهذا الحجم والقدرة بمثابة صمام أمان يزرع الأمل في قلوب مئات الآلاف من الأسر.
وأكد عبد المعطي أن معهد الأورام ليس مجرد مستشفى، بل هو المؤسسة الأكبر من نوعها في منطقة الشرق الأوسط. هذا التوصيف يكشف عن قيمة المعهد ودوره الإقليمي، إذ لا يخدم المصريين فقط، بل يمثل أيضاً مرجعية علمية وطبية للمنطقة بأسرها. وبذلك يتحول إلى مركز عالمي يجمع بين العلم والخبرة، ويجعل مصر لاعباً أساسياً في مجال مواجهة مرض العصر الذي يهدد الملايين حول العالم.
من أبرز ما جاء في تصريحات العميد أن المعهد يقدم خدماته الطبية الشاملة لجميع الأعمار، للصغار والكبار، ولكافة أنواع الأورام، وبالمجان. هذه الرسالة الإنسانية تتجاوز حدود العلاج إلى مفهوم أوسع، وهو العدالة الصحية التي تضمن للجميع، دون تفرقة بين غني وفقير، الحصول على فرصة للحياة. وفي زمن ترتفع فيه كلفة العلاج، يصبح هذا النهج تجسيداً عملياً لدور الدولة في حماية أبنائها، ورسالة أمل قوية بأن أبواب النجاة لا تُغلق أمام أحد.
لكن ما لفت الأنظار أيضاً هو الإشارة إلى أن 40% من ميزانية علاج المرضى تأتي من تبرعات المؤسسات. هذا الرقم يعكس الدور الحيوي للمجتمع المدني في دعم صرح طبي بحجم معهد الأورام. فهو ليس مجرد مبنى حكومي تديره الدولة، بل مشروع وطني يتشارك فيه الجميع، حكومة وشعباً، ليصبح نموذجاً للشراكة المجتمعية التي تترجم معاني التكافل والتضامن على أرض الواقع.
إن هذه التبرعات لا تمثل مجرد أرقام مالية، بل هي تعبير حي عن ثقة المجتمع في المعهد ورسالة إنسانية يرسلها كل متبرع: أن محاربة السرطان ليست مسؤولية فرد أو مؤسسة، بل قضية وطنية تتعلق بحياة كل أسرة مصرية. ولعل هذا التلاحم بين المواطن والدولة، بين المتبرع والطبيب، هو سر النجاح الذي يميز معهد الأورام ويجعله نموذجاً فريداً في العالم العربي.
تصريحات الدكتور عبد المعطي لم تكن مجرد إحصاءات، بل جاءت كجرس إنذار ورسالة أمل في آن واحد. إننا أمام مؤسسة تحمل على أكتافها أمانة جسيمة، لكنها في الوقت نفسه تفتح باباً واسعاً للتكاتف المجتمعي، وتعطي مثالاً لما يمكن أن تصنعه الإرادة حين تتحد مع العلم والرحمة. فالمعهد ليس مجرد جدران أو أجهزة، بل هو روح وطن يتجسد في عيون الأطباء والمرضى والمتبرعين، جميعهم شركاء في رحلة صعبة لكنها مليئة بالأمل.
إن معهد الأورام القومي يمثل قصة نجاح مصرية تستحق أن تُروى بفخر، فهو ليس فقط أكبر مؤسسة علاجية للأورام في الشرق الأوسط، بل هو أيضاً منارة إنسانية تحيا بروح العطاء والتكاتف. وإذا كان السرطان قد وُصف يوماً بأنه مرض العصر، فإن معهد الأورام هو بلا شك رمز الصمود في وجهه. وما تصريحات الدكتور محمد عبد المعطي إلا تذكير لنا جميعاً بأن المعركة ضد السرطان معركة مجتمع بأسره، وأن الأمل دائماً أقوى من الألم.