بقلم . منال عمارة
دائمًا ما أتساءل: هل كان الفلاح المصري حينما اختار أن يبني بيتًا له أو لأبنائه على أرضه الزراعية، مدركًا لحجم الجريمة التي يرتكبها في حق وطنه وأبنائه ومستقبل الأجيال القادمة؟ أم أن ضغوط الواقع والاحتياجات اليومية جعلته ينظر تحت قدميه فقط، ويتجاهل ما هو أبعد من ذلك؟
لقد ظل الفلاح المصري عبر قرون رمزًا للعطاء، يرتبط بالأرض ويحنو عليها كأنها جزء من روحه. لكن التحولات المجتمعية، وزيادة عدد السكان، وتغير أنماط الحياة، دفعته أحيانًا لاتخاذ قرارات بدافع شخصي دون النظر لعواقبها المجتمعية. حين يُبنى بيت على أرض زراعية، فذلك ليس مجرد بناء، بل هو تدمير لأهم مورد من موارد الرزق والخير. الأرض الزراعية ليست فقط للفلاح، بل هي ركيزة أساسية للأمن الغذائي للوطن بأكمله.
المشكلة تتفاقم عندما يُنظر إلى الإجراءات القانونية التي تتخذها الدولة لإزالة التعديات على الأراضي الزراعية على أنها قهر وظلم. بينما في الحقيقة، هذه الإجراءات تأتي في إطار الحفاظ على مورد حيوي، يتآكل عامًا بعد عام بسبب قرارات فردية لا تراعي المصلحة العامة.
وهنا يظهر الدور الحيوي لمنظمات المجتمع المدني، خاصة تلك المعنية بالزراعة والتنمية المستدامة. فقد قامت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، بالتعاون مع وزارة التضامن الاجتماعي، بدعم جهود التوعية من خلال الجمعيات الأهلية، بهدف نشر مفهوم الاستدامة الزراعية وحماية الموارد الطبيعية.
إن مفهوم التنمية المستدامة لا يجب أن يبقى حبيس المؤتمرات والندوات وأحاديث النخبة، بل يجب أن يكون خطة عمل يسير عليها جميع أفراد المجتمع، من الطفل في المدرسة إلى المزارع في الحقل، ومن رجل الدين في المسجد والكنيسة إلى المسؤول في الدولة. فالحفاظ على الموارد الطبيعية مسؤولية جماعية تتطلب تكاتف الجميع.
إذا أردنا فعلاً تنفيذ رؤية مصر 2030، وبناء دولة قوية ذات موارد متجددة وغير مستنزفة، فعلينا أن نبدأ بحملات توعوية وإعلامية تشرح ببساطة خطورة استنزاف الأرض الزراعية، وتبين محدودية الموارد، وتشجع على السلوكيات الإيجابية.
كما أن للمؤسسات الدينية دورًا لا يقل أهمية، فالمسجد والكنيسة لهما التأثير الكبير في تشكيل الوعي الجمعي وتغيير المفاهيم المغلوطة. فالدين لا ينفصل عن الحياة، ورسالة الحفاظ على النعمة يجب أن تُغرس في النفوس منذ الصغر.
إن الفلاح المصري في أعماقه يحمل الخير لوطنه، لكن تراكم الأفكار والعادات القديمة التي لم تكن تشكل خطرًا في الماضي، أصبحت اليوم تهدد حاضرنا ومستقبلنا. ولذلك، علينا أن نواجه هذه التحديات بالعلم، والوعي، والعمل الجماعي، حتى نورث أبناءنا وطنًا قادرًا على الحياة، وموارد لا تزال تنبض بالعطاء.