في لحظة مصيرية تهز ضمير الأمة، تتحول الدوحة إلى ساحة معركة وجود بين إرادة الشعوب ومساعي الإذلال. قمة الاثنين ليست مجرد اجتماع عادي، بل هي محك حقيقي لصدقية القادة وهي اختبار أخير لثقة الجماهير العربية التي سئمت دبلوماسية الإدانة والخطابات الجوفاء. على طاولة المفاوضات تقف قضايا مصيرية: من نزع السلاح النووي الإسرائيلي إلى مقاطعة الاقتصاد الصهيوني، ومن ضمانات الحماية الجماعية إلى محاسبة مجرمي الحرب. الشعوب تراقب بقلوب مليئة بالأمل والخوف، وتنتظر أن تتحول الكلمات إلى أفعال، والوعود إلى ثورة.
الخلفية: عدوان الدوحة الذي هز الضمير العالمي
لم يكن الهجوم الإسرائيلي على الدوحة مجرد عدوان عسكري، بل كان صفعة مدوية لكافة دول المنطقة، إذ كشف عن حقيقة مؤلمة: أن لا حصانة لأي عاصمة عربية أمام غطرسة الاحتلال. هذا الهجوم الذي أسفر عن استشهاد خمسة فلسطينيين وبطل قطري، لم يقتل أرواحاً فقط بل قتل آخر بقايا الوهم بوجود حماية أمريكية. لقد أصبح جلياً أن “واشنطن” لم تكن شريكة في الأمن بل كانت شريكة في الجريمة، مما دفع قطر إلى الدعوة لهذه القمة الطارئة كرد فعل على مستوى يليق بخطورة اللحظة.
أجندة القمة: بين الرد العسكري والدبلوماسية النووية
ستناقش القمة مشروع قرار تاريخي يقدم رؤية متكاملة لمواجهة العدوان، حيث يجمع بين المطالبة بمحاسبة إسرائيل على جرائمها وبين الدفع نحو إخلاء المنطقة من أسلحة الدمار الشامل. وهذا القرار – إذا ما تم تبنيه – سيكون الأول من نوعه الذي يربط بشكل واضح بين السلام العادل وبين نزع السلاح النووي الإسرائيلي، مما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لمدى جدية معاييره المزدوجة.
المعادلة الصعبة: التضامن العربي الإسلامي في مواجهة الضغوط الأمريكية
تواجه القمة تحديًا وجوديًا يتمثل في محاولات أمريكية مكثفة لإفراغها من مضمونها، حيث تسعى واشنطن عبر حلفائها الإقليميين إلى حصر مخرجات القمة في إدانة لفظية دون إجراءات عملية. لكن المعطيات الجديدة تشير إلى تحالف غير مسبوق بين قطر والجزائر وتركيا ومصر لدعم خطة تقضي بمقاطعة دبلوماسية واقتصادية شاملة لإسرائيل، مع السعي لطرد سفيرها من جامعة الدول العربية. هذه المعركة ليست ضد الاحتلال فقط بل هي أيضاً ضد من يريدون تحويل القمة إلى منصة للخطابات الجوفاء.
الدور المصري: بين ثقل التاريخ ومسؤولية القيادة
تجد مصر نفسها في قلب هذه العاصفة، حيث يقع على عاتقها دور المحافظ على التوازن الإقليمي من ناحية والقائد للتصدي العدوان من ناحية أخرى. القاهرة التي كانت أول من دعا إلى إخلاء المنطقة من السلاح النووي عام 1974، تدرك أن لحظة الحقيقة قد حانت، وأن عليها أن تقف إلى جانب الشعوب وإما إلى جانب المترددين. موقف الرئيس السيسي سيكون حاسماً في تحديد مصير القمة، سواء من خلال دعمه لمقاطعة إسرائيل أو من خلال تصديقه على الدعوة لنزع السلاح النووي الشامل.
رد فعل الاحتلال: ذعر إسرائيلي من المبادرة المصرية وتخوف عربي من التماسك
كشفت تصريحات يائير لابيد، زعيم المعارضة الإسرائيلية، عن ذعر حقيقي داخل الكيان المحتل من المبادرة المصرية لتشكيل قوة عربية مشتركة، واصفاً إياها بـ”ضربة موجعة” لمشروعهم التوسعي. هذا الذعر لم يأت من فراغ، بل هو اعتراف ضمني بقوة الموقف المصري وقدرته على تغيير المعادلة الإقليمية. لكن المعضلة تكمن في أن بعض الأنظمة العربية، بدلاً من أن تلتفت حول القاهرة، تعمل بخفاء لإفشال هذه المبادرة تحت ضغوط أمريكية وخليجية. هذه الازدواجية تؤكد أن المعركة ليست مع الاحتلال فقط، بل أيضاً مع ثقافة “المياعه” السياسية التي تفضل الاستسلام على المواجهة. الشعوب تنتظر أن تتحول جامعة الدول العربية من منصة للخطابات إلى جبهة للعمل المشترك، وأن تثبت أن عمر التآمر على الفلسطينيين قد ولى.
المفاجأة النووية: عندما تلتقي دبلوماسية القمة بفيينا
في توقيت بالغ الدقة، تزامنت الاستعدادات للقمة مع التحضيرات للمؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا، حيث أعادت مصر طرح مبادرة إخلاء الشرق الأوسط من الأسلحة النووية. هذه المبادرة التي ظلت حبيسة الأدراج الدولية لعقود، قد تجد في قمة الدوحة المنصة المثالية لإحيائها، خاصة مع التأكيد المصري على رفض “المعايير المزدوجة” في التعامل مع الملف النووي الإقليمي.
وختامًا : معركة الدوحة.. معركة الكرامة الأخيرة
أيها القادة المجتمعون في الدوحة: التاريخ يحاكمكم والشعوب تراقبكم. هذه ليست قمة عادية، بل معركة مصير بين عصر الذل وعصر الكرامة. دماء شهداء الدوحة – الذين كشفوا زيف “الحماية المستأجرة” – ودماء غزة – التي تكشف خداع “الوسيط النزيه” – تناديكم لتحمل المسؤولية. الأجيال القادمة ستسأل: أين كنتم حين انكشفت الأقنعة؟ إما قرارات تاريخية تليق بآلام الشعوب، أو عودة بخفي حنين. الخيار بين البطولة في سجلات التاريخ أو السلبية في مسيرة النضال. الوقت يداهمنا، والشعوب لم تعد تقبل الهوان. فليكن قراركم بداية صحوة عربية إسلامية تضع الكرامة فوق المصالح، والسيادة فوق التبعية. فالأمة التي لا تدافع عن كرامتها تستحق أن تندثر.