عبدالرحيم عبدالباري
مع بدء العد التنازلي لانتخابات مجلس النواب، تحركت وزارة الصحة والسكان بخطى واثقة نحو واحدة من أكثر المهام دقة وحساسية: إجراء الفحوصات والتحاليل الطبية لطالبي الترشح. وبين أروقة المستشفيات والمراكز الطبية المنتشرة في ربوع الجمهورية، تتجسد معاني الشفافية والانضباط المؤسسي. فالكشف الطبي لم يعد إجراءً روتينياً، بل بوابة العبور القانونية والأخلاقية نحو الترشح، تضمن أن يكون ممثلو الشعب قادرين صحياً على حمل مسؤولية الوطن.
جاءت توجيهات الدكتور خالد عبد الغفار، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة والسكان، واضحة: التيسير الكامل على طالبي الترشح مع ضمان أعلى مستويات الدقة في الفحوصات الطبية والمعملية. وتُعد هذه الإجراءات جزءاً من الالتزام الحكومي بضمان نزاهة العملية الانتخابية من خلال شفافية الفحص الطبي، الذي يمثل أحد الأعمدة القانونية لقبول أوراق الترشح. وقد بدأت المستشفيات في استقبال المرشحين فور إعلان دعوة الناخبين، في مشهد يعكس جاهزية الدولة واستعدادها التنظيمي لخدمة العملية الانتخابية من منظور صحي شامل.
أوضح الدكتور حسام عبد الغفار، المتحدث الرسمي باسم الوزارة، أن العمل يجري في منظومة محكمة تضم قوائم شاملة من المستشفيات والمراكز الطبية المعتمدة في جميع المحافظات. وتصدرت القائمة مستشفيات منشية البكري، والمنيرة، وحلوان، وشبرا، ودار الشفاء، والسلام التخصصي، وعين شمس العام، والجمهورية التعليمي، ومعهد ناصر، والقاهرة الجديدة، وزايد آل نهيان في القاهرة، بينما شملت في الإسكندرية أبو قير، ورأس التين، والعجمي، والقباري، وشرق المدينة. ويأتي هذا الانتشار الواسع ليؤكد التزام الوزارة بضمان التغطية الجغرافية الكاملة لجميع المرشحين في الدوائر المختلفة.
وفي محافظات الوجه البحري، تم اعتماد مستشفيات كفر الزيات، والمحلة، وطنطا، وزفتى في الغربية، ومنوف، وأشمون، وشبين الكوم التعليمي، وبركة السبع، وقويسنا في المنوفية، والسنبلاوين، ودكرنس، وميت غمر، والمنصورة الدولي، وبلقاس المركزي في الدقهلية، إلى جانب القنايات، وبلبيس، وفاقوس، ومنيا القمح، وأبو كبير، والأحرار التعليمي في الشرقية. هذا التوزيع الدقيق يعكس نهجًا علميًا في تخطيط الخدمات الصحية الانتخابية، بما يمنع التكدس ويسهل على المرشحين إجراء الفحص في مناطقهم دون عناء الانتقال لمسافات طويلة.
أما محافظات الصعيد فلم تكن بعيدة عن دائرة الاهتمام، إذ ضمت قائمة المستشفيات المعتمدة المنيا التخصصي، وسمالوط، وملوي، ومغاغة، وديرمواس، وصدر المنيا، وفي أسيوط الإيمان العام، وأبو تيج التخصصي، ومنفلوط، والبداري، وفي سوهاج طهطا العام، وسوهاج العام، والبلينا المركزي. كما شملت محافظات الجنوب قنا العام، ونجع حمادي، وقفط التخصصي، والأقصر الدولي، ومستشفى أسوان العام. هذا الاهتمام المتوازن يعكس العدالة الصحية في تطبيق الإجراءات، ويضمن أن كل مرشح من أسوان إلى الإسكندرية يجد أمامه نفس المعايير ونفس مستوى الخدمة الطبية.
وحرصت وزارة الصحة على إيلاء اهتمام خاص بذوي الإعاقة من طالبي الترشح، حيث تتولى الإدارة العامة للمجالس الطبية المتخصصة مسؤولية توقيع الكشف الطبي عليهم، وفقاً لقرار وزير الصحة رقم 529 لسنة 2025. ويتضمن التقرير الفني تحديداً دقيقاً لنوع الإعاقة وماهيتها، مع توفير كل التيسيرات اللازمة لضمان بيئة فحص مهيأة تحترم كرامة المريض وتكفل له حقه القانوني الكامل. هذه الخطوة ليست فقط التزاماً قانونياً، بل ترجمة عملية لمفهوم “تكافؤ الفرص”، الذي تسعى الدولة لترسيخه في جميع مراحل العملية الانتخابية.
ولضمان نزاهة النتائج ودقة التقارير، أسندت الوزارة إلى الإدارة المركزية للمعامل، إلى جانب المعامل المشتركة بالمحافظات، مهمة سحب عينات فحص المخدرات والمسكرات لجميع المرشحين، ضمن منظومة إلكترونية موحدة تربط بين الجهات الطبية والقانونية. وتأتي هذه الإجراءات في إطار رؤية شاملة تُرسخ مبدأ “الشفافية الطبية في الحياة العامة”، وتؤكد أن الطريق إلى البرلمان يبدأ من “الكشف النزيه”. وبينما تتواصل الفحوصات في كل أنحاء البلاد، يبقى الهدف واحداً: مجلس نواب يعبر عن إرادة أمة، بكفاءة صحية ومصداقية قانونية كاملة.
إن ما تشهده مصر اليوم من تنظيم محكم لإجراءات الكشف الطبي لمرشحي مجلس النواب، يعكس نموذجاً فريداً في التكامل بين مؤسسات الدولة. فالصحة هنا ليست مجرد فحص، بل شهادة نزاهة تفتح الطريق أمام من يمثل الشعب تحت قبة البرلمان. إنها تجربة عنوانها “الشفافية والمسؤولية”، تُثبت أن الدولة المصرية قادرة على الجمع بين الانضباط الإداري والإنسانية، وأن طريق الديمقراطية يمر عبر بوابة “الفحص الطبي النزيه”.. حيث يبدأ الإصلاح من صحة الإنسان ذاته.