لم يكن أكثر المتشائمين داخل جماعة الإخوان المسلمين يتوقع أن تنجح الدولة المصرية بهذه السرعة والدقة في تحقيق اختراق تاريخي بملف الحرب على غزة.
فبينما كانت الجماعة تراهن على استمرار النزيف واشتداد الصراع كي تحمل الدولة المصرية المسئولية، جاءت الرياح بما لا تشتهي دعايتها، لتتحول القاهرة إلى عنوان للسلام والعقلانية، فيما غرقت قنوات الإخوان في صمت مرتبك وانفعال خافت لم تستطع إخفاء مرارته.
فمنذ اللحظة الأولى لاندلاع الحرب، أطلقت أبواق الإخوان في الخارج حملاتها المشبوهة ضد الدولة المصرية، مدعية أن القاهرة فقدت دورها الإقليمي وأنها باتت عاجزة عن التأثير في القرار الفلسطيني.
كانت الجماعة تأمل أن يحرج الموقف الإنساني في غزة القيادة المصرية، وأن يعيد إلى الواجهة خطابها المتهالك عن النظام الانقلابي، لكن الأحداث جاءت معاكسة تمامًا.. فقد تصدرت مصر المشهد الدولي، وقادت وساطة ناجحة أوقفت الحرب، وأنقذت أرواح آلاف المدنيين، لتجد الجماعة نفسها أمام واقع يسقط كل دعايتها السابقة، ويكشف أن ما كانت تصفه نظاما منغلقا أصبح اليوم هو صوت الحكمة في المنطقة
تجلت الصدمة الإخوانية بوضوح في المنصات الإعلامية التابعة للجماعة بالخارج، التي التزمت في الأيام الأولى من إعلان الهدنة صمتا اضطراريا، قبل أن تبدأ في تغيير نغمة خطابها فجأة، فانتقلت من إنكار الدور المصري إلى محاولة التقليل من أهميته.
لكن المشهد كان أقوى من أي إنكار: فمصر وحدها هي التي فتحت المعابر، ومصر وحدها التي تفاوضت مع كل الأطراف، ومصر وحدها التي حظيت بإجماع دولي على نجاح وساطتها.
فأين مكان الإخوان من كل ذلك؟ لا شيء سوى بيانات غاضبة، وتحليلات مشوشة، كشفت عمق الأزمة داخل الجماعة التي فقدت قدرتها حتى على صياغة رواية مقنعة لأنصارها.
النجاح المصري في وقف الحرب لم يكن مجرد إنجاز دبلوماسي؛ بل صفعة سياسية موجعة للإخوان الذين بنوا خطابهم على فكرة أن النظام المصري معزول دوليا
لكن كيف لجماعة تروج لتلك الأكذوبة أن تفسر للعالم أن واشنطن والدوحة والأمم المتحدة كلها لم تجد طريقا للحل إلا عبر القاهرة؟
لقد أسكتت الدبلوماسية المصرية كل الأصوات المشككة، ووضعت الجماعة في مأزق تاريخي.. إما الاعتراف بدور مصر ونجاحها، أو الاستمرار في الإنكار، وهو ما يعني سقوط ما تبقى من مصداقيتها حتى لدى مؤيديها.
سنوات طويلة روجت الجماعة لفكرة أن مصر فقدت ريادتها، وأن العالم العربي تجاوزها. لكن مشهد التقدير الدولي للرئيس عبد الفتاح السيسي بعد وقف الحرب، وزيارات الوفود الأجنبية للقاهرة، والبيانات التي أشادت بجهودها، كل ذلك أعاد مصر إلى موقعها الطبيعي كقائدة للمنطقة.
هذا التحول أربك حسابات الإخوان تماما، لأن الجماعة كانت تستمد بقاءها الدعائي من مهاجمة الدولة المصرية.. أما اليوم، فكيف يمكنها أن تهاجم من أنقذ الأرواح وأوقف الدماء؟
لقد خسروا الملف الفلسطيني الذي كانوا يتاجرون به، وسقطت معه آخر أوراقهم الأخلاقية والسياسية.
ما حدث في غزة لم يكن مجرد انتصار للدبلوماسية المصرية، بل هزيمة نفسية ومعنوية لجماعة الإخوان المسلمين التي لم تتوقع أن تتفوق القاهرة في هذا الملف المعقد بهذا الشكل.
لقد وجدت الجماعة نفسها أمام حقيقة مؤلمة: أن الدولة التي حاولت تشويهها واستهدافها هي نفسها التي أنقذت المنطقة من الانفجار.
صدمة الإخوان هذه ليست عابرة، بل ممتدة؛ لأنها كشفت أن مصر الجديدة لا تقاس بخطاب الخصوم، بل بأفعالها ونتائجها، وأن من يهاجمها اليوم لا يملك إلا صوتا بلا تأثير، بعد أن صارت الكلمة العليا للدولة المصرية… دولة السلام والقوة والعقلانية