بقلم دكتور/ طارق هلال
في هذا العالم، لا مكان للضعفاء. فلا يكفي أن يكون الوطن صاحب تاريخ عظيم، ولا أن يمتلك موقعاً استراتيجياً، ولا حتى شعباً محباً لأرضه. فالتاريخ وحده لا يحمي الدول، والعواطف وحدها لا تصون الأوطان. ما يحميها حقاً هو ما تمتلكه من أدوات القوة، وما تبنيه من عناصر القدرة الشاملة.
فالسلام لا يحميه الضعف، والتنمية لا يصنعها الحلم وحده، والاستقلال لا يتحقق بالشعارات. إنها معادلة لا تتغير: كلما امتلكت الدولة أسباب القوة، امتلكت قرارها، وكلما فقدتها، أصبح قرارها في يد غيرها. لقد علّمنا التاريخ درساً لا يسقط بالتقادم: الدول لا تحترم لأنها كبيرة، بل لأنها قادرة.
فالقوة العسكرية ليست غاية في ذاتها، وإنما هي الضمانة التي تجعل السلام ممكناً. فعندما تمتلك الدولة جيشاً قوياً وسلاحاً متطوراً، فإنها لا تبحث عن الحرب، بل تجعل أعداءها يعيدون حساباتهم قبل التفكير في الاعتداء عليها. فالردع هو أعلى درجات الحفاظ على السلام.
لكن القوة لا تقاس بالسلاح وحده. فالدبلوماسية الذكية تستطيع أن تحقق ما قد تعجز عنه الجيوش. إنها فن حماية المصالح، وبناء التحالفات، واحتواء الأزمات، وتحويل الصدام إلى توازن يحفظ الحقوق ويجنب الشعوب ويلات الصراع.
ثم تأتي الحكمة، وهي العقل الذي يقود جميع أدوات القوة. فكم من دولة امتلكت المال والسلاح، لكنها خسرت بسبب سوء القرار. فالحكمة تجعل القوة وسيلة للبناء لا للهدم، وتجعل التنمية مشروعاً مستداماً لا إنجازاً عابراً.
أما الشعب، فهو الجدار الذي لا يشترى ولا يستورد. فإذا كان متماسكاً، واعياً، مؤمناً بوطنه، أصبح خط الدفاع الأول والأخير. فالحروب الحديثة لم تعد تستهدف الحدود فقط، بل تستهدف العقول
والثقة والانتماء.
ومن هنا يصبح الوعي أمناً قومياً. فالشائعة قد تهزم ما لا تهزمه المدافع، والتضليل قد يفتح ثغرات أخطر من أي هجوم عسكري. والمواطن الواعي ليس مجرد متابع للأحداث، بل شريك حقيقي في حماية وطنه وصناعة مستقبله.
ويظل الاقتصاد القوي هو العمود الفقري لكل عناصر القدرة. فالدولة التي تمتلك اقتصاداً متماسكاً، وقدرة على جذب الاستثمار، وزيادة الإنتاج، وتعظيم مواردها، تمتلك حرية القرار، وتصبح أقل عرضة للضغوط والابتزاز. فالاستقلال السياسي يبدأ غالباً من الاستقلال الاقتصادي.
ومن رحم الاقتصاد المنتج تنطلق بقية عناصر القوة. فالصناعة تمنح الدولة استقلال قرارها، والزراعة تحقق أمنها الغذائي، والتعليم يصنع الإنسان القادر على الابتكار والإنتاج، والحضارة تمنح الأمة هويتها وثقتها بنفسها، فتدرك من هي وإلى أين تمضي.
إن عناصر القوة ليست جزراً متفرقة، بل منظومة واحدة متكاملة؛ فإذا ضعف أحدها، تأثرت بقية العناصر، وإذا تكاملت، أصبحت الدولة أكثر قدرة على مواجهة الأزمات، وأصعب على الكسر
أو الابتزاز.
وبمناسبة الذكرى الثالثة عشرة لثورة 30 يونيو، تبرز أهمية التأمل في أحد أهم أهدافها الاستراتيجية، بناء الدولة القوية القادرة على حماية قرارها الوطني، وصون أمنها القومي، وتحقيق التنمية الشاملة.
أما مصر، فقد اختارت منذ ثورة 30 يونيو أن تبني قدرتها الشاملة، إدراكاً منها أن التحديات التي تحيط بها لا تواجه بالشعارات، وإنما ببناء دولة تمتلك أسباب القوة في جميع المجالات. ولم يكن ذلك خياراً ترفيّاً، بل ضرورة فرضتها طبيعة التحديات التي تواجهها الدولة المصرية في محيط إقليمي ودولي شديد التعقيد.
ومن هنا، عملت القيادة السياسية خلال السنوات الماضية على تنفيذ رؤية متكاملة لبناء عناصر القدرة الشاملة للدولة المصرية، من تطوير القدرات العسكرية لتعزيز قوة الردع، إلى انتهاج سياسة خارجية متوازنة تحمي المصالح الوطنية، وإطلاق مشروعات قومية لدعم الاقتصاد، والتوسع في الصناعة
والزراعة، وإنشاء بنية تحتية حديثة، والاستثمار في التعليم وتنمية الإنسان، باعتبارها جميعاً ركائز أساسية لبناء الدولة الحديثة.
ولعل التحدي الأكبر اليوم لا يتمثل في امتلاك السلاح وحده، بل في امتلاك المواطن الواعي، القادر على التمييز بين الحقيقة والشائعة، وبين النقد البناء ومحاولات الهدم، لأن الوعي هو السلاح الذي لا يمكن نزعه من أمة تعرف قيمة وطنها.
إن ما تمتلكه مصر من تاريخ وحضارة وموقع جغرافي يمثل رصيداً عظيماً، لكنه لا يكفي وحده. فالحفاظ على هذا الوطن يتطلب استمرار امتلاك أسباب القوة كافة، وتطويرها باستمرار، حتى تبقى مصر قادرة على حماية قرارها، وصون أمنها، ومواصلة مسيرة التنمية في عالم لا يعترف إلا بالدول التي تمتلك القدرة الشاملة.
فحماية مصر ليست مسؤولية مؤسسة واحدة، ولا تتحقق بسلاح وحده، ولا باقتصاد وحده، ولا بدبلوماسية وحدها، وإنما هي ثمرة تكامل جيشٍ قوي، ودولةٍ حكيمة، واقتصاد منتج، وشعب واع، وتعليم يبني الإنسان، وصناعةٍ وزراعةٍ تحققان الاكتفاء، وحضارةٍ تحفظ الهوية.
فالقدرة ليست سلاحاً فقط، بل هي منظومة متكاملة من القوة والوعي والإنتاج والحكمة. وعندما تمتلك الدولة هذه المنظومة، تصبح عصية على الكسر، عزيزة بين الأمم، وصانعة لمستقبلها
بقرارها وإرادتها.
فالأوطان لا تحمى بالنوايا الطيبة، ولا تصان بالأماني، بل تحمى بما تمتلكه من قدرة، والقدرة هي أعظم استثمار في بقاء الدول وكرامة الشعوب.