عبدالرحيم عبدالباري
في مشهد دولي حافل بالنقاشات العلمية والإنسانية، برزت مصر كصوتٍ مؤثر يحمل رؤية متكاملة حول كيفية الحد من أضرار المواد المخدرة، وتقديم نموذج واقعي يجمع بين الرعاية الصحية والدعم النفسي والاجتماعي. مشاركة وزارة الصحة والسكان في المؤتمر الدولي الثالث عشر حول «الصحة والتهاب الكبد لدى متعاطي المخدرات» بمدينة كيب تاون بجنوب إفريقيا لم تكن حضورًا بروتوكوليًا، بل خطوة استراتيجية تُجسد التزام الدولة بمسؤوليتها تجاه الإنسان كقيمة عليا.

قدّمت الأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان نموذجًا مصريًا متطورًا في التعامل مع قضية الإدمان، لا يقوم على العقاب بل على الإصلاح والرعاية والدمج المجتمعي. فالمفهوم الجديد الذي تتبناه مصر ينطلق من فكرة أن الإدمان مرضٌ يمكن علاجه وليس وصمة اجتماعية. ومن هنا جاءت مشاركة وزارة الصحة في المؤتمر الدولي لتؤكد أن مصر أصبحت تمتلك خبرات رائدة في تقنيات خفض الضرر، وتطبيق بروتوكولات علاجية متقدمة توازن بين العلاج الطبي والدعم النفسي والاجتماعي، بما يضمن إعادة بناء الإنسان على أسس سليمة.
وأوضح الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث الرسمي لوزارة الصحة، أن المؤتمر ركّز على مفاهيم خفض أضرار المواد المخدرة وتحسين جودة حياة المتعافين، مع تعزيز التعاون الدولي في تبادل الخبرات والدفاع عن السياسات الفعّالة. وقد شكّلت هذه القضايا محور اهتمام الوفد المصري الذي عرض خلال الجلسات أبرز إنجازات الدولة في بناء منظومة علاجية شاملة تشمل الوقاية والعلاج وإعادة التأهيل، إلى جانب دعم برامج الكشف المبكر والتوعية المجتمعية، بهدف كسر دائرة الإدمان من جذورها، وتحويل المعاناة إلى طاقة تعافٍ وإنتاج.
وفي إطار الجهود العلمية والتنسيقية، شارك وفد الأمانة العامة في اجتماع رفيع المستوى لمناقشة سبل تعزيز الوصول إلى خدمات الحد من الأضرار والعلاجات المضادة للفيروسات المباشرة (DAAs)، خاصة في القارة الإفريقية التي تواجه تحديات بنيوية في البنية الصحية. وتم استعراض التجربة المصرية الرائدة في توسيع نطاق العلاج المجاني لمرضى التهاب الكبد، وربطها بخدمات علاج الإدمان، بما يضمن العدالة في توزيع الخدمات الطبية ويحمي الفئات الأكثر هشاشة من السقوط في دوامة المرض والفقر.

أكد الدكتور أيمن عباس، رئيس الإدارة المركزية للأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان، أن مصر لا تقدم حلولًا نظرية، بل تطرح نموذجًا عمليًا متكاملًا للتعامل مع الإدمان كقضية تنموية شاملة. فقد ناقشت الجلسات التحديات المشتركة بين دول القارة، وخرجت الأمانة المصرية بمقترحات جريئة لتوسيع نطاق خدمات الحد من الأضرار عبر شراكات محلية ودولية، مع التركيز على الاستدامة المالية والتدريب المستمر للكوادر الطبية والنفسية. فالرؤية المصرية تقوم على تمكين الأنظمة الصحية وليس مجرد تزويدها بالمساعدات.
لم تتوقف مشاركة الأمانة العامة عند عرض التجارب، بل ساهمت في إعداد موجز تنفيذي يتضمن توصيات عملية قابلة للتطبيق، لتطوير برامج خفض الضرر وتحسين فرص العلاج والرعاية. هذه الوثيقة تمثل خريطة طريق جديدة للدول المشاركة، وتُجسد دور مصر القيادي في صياغة السياسات الإقليمية بمجال الصحة النفسية وعلاج الإدمان. فالتعاون الإقليمي أصبح ضرورة لا خيارًا، والجهود المشتركة هي السبيل لتحقيق التكامل الصحي الذي تنشده إفريقيا لمواجهة أعباء المخدرات والأمراض المزمنة.
وفي ختام المؤتمر، أكدت الأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان أن مصر ستواصل تفاعلها الإيجابي في المحافل الدولية، ناقلةً تجربتها الرائدة في الدمج بين الرعاية الصحية والدعم النفسي وإعادة التأهيل المجتمعي. فجهودها تنسجم مع توجهات الدولة في دعم الحق في الصحة للجميع، وترسيخ رؤية «مصر 2030» القائمة على الإنسان أولًا. وما بين كيب تاون والقاهرة، امتدت رسالة مصر واضحة: أن الأمل أقوى من الإدمان، وأن إرادة الشفاء تبدأ من وعيٍ وطنيٍ يضع الإنسان في صدارة أولوياته.
بهذا الحضور المشرف، أكدت مصر أنها ليست مجرد متلقٍ للخبرات، بل شريك فاعل في صياغة مستقبل الصحة النفسية وعلاج الإدمان على المستوى الدولي. لقد أثبتت التجربة المصرية أن التغيير الحقيقي لا يصنعه الدواء فقط، بل تصنعه الرؤية والإصرار والإيمان بقدرة الإنسان على النهوض من جديد. وبينما تتجه الأنظار نحو المستقبل، تبقى مصر نموذجًا يُحتذى في تحويل الألم إلى أمل، والإدمان إلى انتصار إنساني جديد.