عبدالرحيم عبدالباري
في زمنٍ تتسارع فيه خطى التطوير، اختارت وزارة الصحة والسكان أن تجعل من الكادر البشري نقطة الانطلاق نحو التميز، فالمباني والأجهزة وحدها لا تصنع نهضة صحية ما لم يُدعّمها عقل واعٍ وتدريب متواصل. ومن هنا وُلد البرنامج التدريبي الطموح «درّب فريقك»، كإحدى أبرز مبادرات الوزارة لترسيخ ثقافة الجودة والاحتراف داخل أروقة المنشآت الصحية المصرية، في خطوة تؤكد أن المستقبل الصحي يُبنى بالأيدي والعقول المؤهلة، لا بالقرارات فقط.
يأتي برنامج «درّب فريقك» ضمن منظومة متكاملة تستهدف تحويل المستشفيات والمراكز الصحية إلى بيئة عمل مثالية، قادرة على تحقيق رضا المرضى وتقديم خدمة إنسانية راقية. وتحرص وزارة الصحة، من خلال هذا البرنامج، على أن تمتد مفاهيم الجودة إلى جميع المستويات الإدارية والفنية، ليصبح كل عضو في الفريق جزءًا من منظومة متكاملة تسعى نحو هدف واحد: الارتقاء بصحة المواطن. فالتدريب لم يعد رفاهية، بل هو واجب وطني لضمان استدامة التطوير داخل القطاع الصحي.
وأوضح الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث الرسمي للوزارة، أن البرنامج يرسخ مبادئ الإدارة الاستراتيجية والجودة الشاملة في ضوء رؤية مصر 2030، عبر أربعة محاور أساسية. تبدأ هذه المحاور من المهارات الفنية لتحسين تجربة المريض وتطبيق معايير سلامة المرضى، مرورًا بتعزيز القدرات الإدارية والقيادية لاتخاذ القرار بكفاءة، وصولًا إلى دعم التحول الرقمي وأمن المعلومات. كما يولي البرنامج اهتمامًا كبيرًا بتطوير المهارات الشخصية للعاملين، لإتقان فنون التواصل والتفاوض والذكاء العاطفي، مما يخلق كوادر قادرة على التعامل الإنساني والمهني في آن واحد.
اللافت في البرنامج أنه لا يكتفي بالتدريب النظري، بل يعتمد على تطبيق عملي وتقييم دوري يقيس مدى التحسن في الأداء الميداني للعاملين. وأشار الدكتور محمد حساني، مساعد وزير الصحة، إلى أن هذه المبادرة ليست مجرد دورة تدريبية، بل هي استثمار استراتيجي في رأس المال البشري، إذ يعزز «درّب فريقك» من كفاءة فرق الجودة داخل المنشآت، ويرفع جاهزيتها للتعامل مع التحديات اليومية في إدارة الخدمات الصحية، لضمان بيئة آمنة للمريض ومُحفّزة للعاملين.
من جانبه، أكد الدكتور جلال الشيشيني، رئيس الإدارة المركزية لجودة الرعاية الصحية، أن الإدارة تتابع البرنامج لحظة بلحظة من خلال تقييمات أسبوعية واستطلاعات رأي للمشاركين، لقياس أثر التدريب على أرض الواقع. كما كشف عن خطة مستقبلية لتوسيع نطاق البرنامج ليشمل مزيدًا من المنشآت الصحية بمختلف المحافظات، ما يعكس حرص الوزارة على استدامة التطوير وليس الاكتفاء بمرحلة مؤقتة. فالمتابعة المستمرة تعني أن الجودة أصبحت ثقافة مؤسسية، وليست شعارًا مرحليًا.
«درّب فريقك» ليس مجرد برنامج تدريبي، بل هو بوابة عبور نحو جيل جديد من الكوادر الصحية المصرية، قادر على التميز في بيئة عالمية تنافسية. فهو يربط بين العلم والتطبيق، بين المهارة والإحساس بالمسؤولية، وبين القيادة والخدمة. ومن خلاله تثبت وزارة الصحة أن الاستثمار الحقيقي هو في الإنسان، الذي يصنع التغيير ويقود المستقبل بثقة واقتدار، ليبقى المريض المصري في قلب الأولويات، وتبقى مصر نموذجًا يحتذى في إدارة الرعاية الصحية الحديثة.
في نهاية المطاف، يعكس «درّب فريقك» فلسفة وزارة الصحة الجديدة التي تؤمن بأن الإصلاح يبدأ من الإنسان ولأجله، وأن الجودة ليست هدفًا بل أسلوب حياة داخل كل منشأة صحية. وبين تدريبٍ متواصلٍ وتقييمٍ دقيقٍ ومتابعةٍ مستمرة، تمضي مصر بخطى ثابتة نحو منظومة صحية تليق بكرامة المواطن، وتؤكد أن طريق الجودة يبدأ بخطوة، وقد خطتها الوزارة بثقة واقتناع.