عبدالرحيم عبدالباري
في زمن تتطلب فيه الخدمة الصحية يقظة مستمرة ومتابعة حقيقية على أرض الواقع، جاءت الجولة المفاجئة التي أجراها الدكتور محمد الطيب، نائب وزير الصحة والسكان، لتعيد الثقة في أن الرقابة لا تعرف المكاتب، وأن الإصلاح يبدأ من الميدان لا من الأوراق. بين المعامل المركزية ومستشفى المنيرة العام بالقاهرة، حمل نائب الوزير رسالة واضحة: لا تهاون في حق المواطن، ولا مكان للقصور داخل منشأة تُقدِّم علاجًا أو فحصًا أو أملاً في الشفاء.

منذ اللحظة الأولى للجولة، بدا الهدف واضحًا: متابعة دقيقة لا شكلية، ووقوف مباشر على تفاصيل العمل في المعامل المركزية، التي تمثل بوابة آلاف المواطنين يوميًا للحصول على التحاليل الخاصة بالسفر أو الفحوص الطبية الدقيقة. حرص الدكتور محمد الطيب على تفقد اللجان والمعامل بنفسه، متحدثًا مع العاملين والمترددين، ليتأكد من أن الخدمة تُقدَّم بكرامة وسهولة دون استغلال أو تأخير، مؤكدًا أن صحة المواطن ليست خدمة اختيارية بل حق مقدس تكفله الدولة بكل أدواتها.
ولم يكتفِ نائب الوزير بالمشاهدة، بل خاض تجربة ميدانية بنفسه، حيث استخدم نظام الحجز الإلكتروني عبر موقع المعامل المركزية ليختبر سرعة الخدمة وسهولة إجراءاتها. وأثناء تفقده، شدد على ضرورة وضوح قوائم الأسعار أمام المواطنين ومنع أي تعاملات غير رسمية، مؤكدًا أن الشفافية هي السلاح الأقوى ضد الفساد الصغير الذي يتسلل إلى مفاصل الخدمة. كما وجّه بتطوير غرف استراحة العاملين وتحسين بيئة العمل داخل المعمل لضمان أداء مهني راقٍ يعكس وجه الصحة الحقيقي.

وفي مشهد آخر من الجولة، كانت مستشفى المنيرة العام على موعد مع جرس الإنذار والتصحيح، حيث تفقد نائب الوزير جميع الأقسام، ووقف على تفاصيل استقبال المرضى في العيادات والطوارئ ومكتب الدخول. لم يمر مرور الكرام على أي ملاحظة، بل أصدر قرارًا فوريًا بفتح تحقيق عاجل في واقعة تم رصدها أثناء الزيارة، في دلالة قوية على أن الانضباط لا يحتمل الانتظار، وأن كل مخالفة مهما صغرت ستواجه بإجراء حاسم، حفاظًا على سمعة المؤسسة الطبية وثقة المواطنين فيها.
ولأن الإصلاح لا يكتمل دون الاستماع إلى الناس، توقف الدكتور محمد الطيب أمام شكاوى المرضى وأسرهم، متفاعلًا معها في الحال، حيث استجاب لشكوى أسرة طفل بحاجة إلى دخول المستشفى، وأصدر تعليماته الفورية بقبوله وتوفير الرعاية اللازمة له. هذه اللحظات الإنسانية أعادت للأذهان صورة المسؤول الميداني القريب من الناس، الذي يرى في المواطن مركز الخدمة لا هامشها، ويجعل من كل زيارة فرصة لاستعادة الثقة بين المريض والمنظومة الصحية.
وفي طريقه إلى أقسام العناية المركزة، تفقد نائب الوزير بروتوكولات التعامل مع الحالات الحرجة، وراجع مع الأطباء نظم متابعة المرضى وتوافر الأدوية والمستلزمات الطبية. كما شدد على أهمية صيانة أجهزة التكييف داخل الصيدليات والمخازن لحماية العقاقير من التلف وضمان فاعليتها، مع إعادة تنظيم المخازن طبقًا للمعايير المعتمدة. الجولة لم تكن تفتيشًا إداريًا بقدر ما كانت رسالة إصلاح شامل تستهدف كل تفصيلة، صغيرة كانت أم كبيرة، في رحلة تطوير الخدمة الصحية.

رحلة نائب الوزير لم تكن مجرد مرور عابر، بل كانت درسًا في القيادة الميدانية. فحين يختار المسؤول أن يرى بعينيه، يسمع بشخصه، ويتخذ قراراته من قلب الحدث، يصبح الإصلاح حقيقيًا لا شعارات. الجولة المفاجئة بالقاهرة كشفت أن الدولة تضع الخدمة الصحية في مقدمة أولوياتها، وتعمل بخطى متسارعة لتحقيق الجودة الشاملة في كل منشأة طبية. إنها جولة تحمل في طياتها رسالة إلى كل العاملين: من أجل المواطن.. كل تفصيلة تستحق الاهتمام.
بين أروقة المستشفيات وأنابيب التحاليل، وبين وجوه المرضى وأيادي الأطباء، أثبتت الجولة أن وزارة الصحة تسير بثقة نحو المستقبل، حيث الخدمة تُقاس بالرضا لا بالأرقام. ومن قلب القاهرة، وجه نائب الوزير رسالته إلى الجميع: الصحة ليست قطاعًا خدمياً فحسب، بل مسؤولية وطنية، وضمير حيّ لا يغفو.
وهكذا تظل الحقيقة واضحة — أن الإصلاح يبدأ حين يقرر المسؤول أن يرى بنفسه، لا أن يسمع فقط.