ليست العلاقة بين مصر ودول الخليج مجرد صفحة في كتاب السياسة، ولا سطرًا في أرشيف العلاقات الدبلوماسية. إنها قصة طويلة من الأخوة، كتبتها المواقف قبل الكلمات، وحفظها التاريخ قبل أن تحفظها الوثائق.
فعلى امتداد العقود، ظل الخليج حاضرًا في وجدان المصريين، كما بقيت مصر في قلب كل خليجي يعرف معنى العمق العربي والسند الحقيقي. علاقة لم تُبنَ على المصالح العابرة، بل على إدراك عميق بأن هذا الجسد العربي لا يمكن أن يقف مستقيمًا إلا إذا كان قلبه نابضًا بوحدة أبنائه.
مصر، بتاريخها وثقلها وحضارتها، كانت دائمًا درعًا للأمة حين تشتد الخطوب. والخليج، بحكمته وإمكاناته ومكانته، كان سندًا حقيقيًا لمصر في لحظات مفصلية من تاريخها. وبين هذا وذاك، نشأت علاقة لا يمكن اختزالها في السياسة وحدها، لأنها ببساطة علاقة شعبين قبل أن تكون علاقة حكومات.
ملايين المصريين الذين عملوا وعاشوا في الخليج لم يكونوا مجرد أيدٍ عاملة، بل كانوا سفراء لقيم العمل والإخلاص. وفي المقابل، احتضنتهم دول الخليج بكرمها المعروف، فكانت تلك التجربة واحدة من أجمل صور التكامل الإنساني بين الأشقاء.
ولأن العلاقات العظيمة دائمًا ما تكون عرضة لمحاولات التشويش، تظهر بين الحين والآخر أصوات على منصات التواصل الاجتماعي تحاول أن تصنع ضجيجًا من خلافات صغيرة، أو أن تبني جدارًا من الكلمات الحادة بين شعبين لم يعرفا في تاريخهما سوى المودة والاحترام.
لكن الحقيقة التي يعرفها العقلاء جيدًا أن ما يربط مصر والخليج أعمق من منشور عابر، وأقوى من جدال إلكتروني، وأبقى من لحظة غضب على شاشة هاتف.
ولهذا، فإن الحكمة تقتضي أن نرتقي بخطابنا، وأن ننبذ هذا التراشق الذي لا يخدم إلا من يتمنى أن يرى الجسد العربي متفرقًا. فالأخوة لا تُقاس بعدد التعليقات، ولا تُحفظ بالصوت العالي، بل تُصان بالوعي والاحترام وتذكر التاريخ المشترك.
إن مصر والخليج لم يكونا يومًا طرفين متقابلين… بل كانا دائمًا جناحين لطائر واحد. وإذا كان الوطن العربي جسدًا واحدًا، فإن نبضه الحقيقي يظل في هذا الترابط الصادق بين ضفتيه.
ولهذا سيبقى المشهد واضحًا لمن يرى بعين التاريخ لا بعين اللحظة:
مصر والخليج نبضٌ في قلبٍ واحد، ودمٌ يجري في وريد الوطن العربي.
وما دام هذا النبض حيًا… فلن تستطيع أي عاصفة أن توقفه.