عبدالرحيم عبدالباري
في عالمٍ تتسابق فيه الأمم نحو الريادة العلمية، وتتحول فيه الأرقام إلى بوصلات تحدد مكانة الجامعات، وُلدت قصة لا تُشبه غيرها… قصة التصنيفات الجامعية. لم تكن فكرة حكومية، ولا مشروعًا استثماريًا ضخمًا، بل كانت — في مفارقة طريفة — مشروع تخرّج بسيط لطلاب طموحين حلموا بقياس الأداء الأكاديمي بمقاييس عالمية. واليوم، بعد عقدين فقط، أصبحت هذه الفكرة البريئة صناعة ضخمة تُحرّك قرارات الدول، وتؤثر في مستقبل التعليم العالي على مستوى العالم.

الشرارة الأولى التي لم يتوقعها أحد
في مطلع الألفية الجديدة، وتحديدًا عام 2003، كان مجموعة من طلاب الدراسات العليا في بريطانيا يبحثون عن مشروع تطبيقي مبتكر لتحليل البيانات الدولية. لم يكن في أذهانهم أنهم يكتبون أول سطر في تاريخ جديد للتعليم العالي. من رحم هذا المشروع، ولدت فكرة تصنيف الجامعات عالميًا عبر شركة ناشئة تُدعى Quacquarelli Symonds (QS)، سُمّيت على اسم اثنين من هؤلاء الطلاب. هدفها الأول كان بسيطًا: مقارنة أداء الجامعات بالأرقام. لكن الفكرة سرعان ما تجاوزت حدود الدراسة لتُصبح صناعة عالمية تقودها كبرى المؤسسات الأكاديمية والاستشارية.
من الفكرة إلى السباق العالمي
ما لبثت الفكرة أن تحوّلت إلى ما يُعرف اليوم بـ QS World University Rankings، الذي أصبح الاسم الأشهر في مجال التصنيفات الأكاديمية. وسرعان ما دخلت جهات أخرى على الخط؛ فظهرت جامعة جياو تونغ الصينية بتصنيف شنغهاي الأكاديمي، لتقيس التميز البحثي بعيون شرقية، ثم جاء تصنيف Times Higher Education (THE) البريطاني ليوازن بين البحث والتدريس. ومنذ ذلك الحين، تحوّل المشهد الأكاديمي العالمي إلى سباق لا يتوقف، تتنافس فيه الجامعات على ترتيبها في هذه الجداول، كأنه سباق أولمبي جديد لكن ميدالياته من “المعرفة”.
بين دقة الأرقام وتحيّز المعايير
رغم بريق هذه التصنيفات، إلا أن وراءها جدلًا طويلًا حول مدى عدالتها. فبعضها، كتصنيف QS، يعتمد بدرجة كبيرة على السمعة الأكاديمية وآراء المشاركين في الاستطلاعات، مما يجعله عرضة للتأثر بالتصورات الذهنية لا بالحقائق الميدانية. أما تصنيف شنغهاي فيغالي في اعتماده على الجوائز العالمية مثل نوبل وميداليات فيلدز، متجاهلًا الجهود التعليمية والثقافية. أما THE فيحاول تحقيق التوازن، لكنه بدوره يعتمد على تقييمات ذاتية. وهكذا، يتأرجح ميزان العدالة بين الأرقام والآراء، في مشهد يعكس صعوبة قياس “جودة الفكر” بمسطرة الأرقام وحدها.
تجربة الأزهر.. من المحلية إلى العالمية
من قلب القاهرة، حمل مركز التميز الدولي بجامعة الأزهر راية الحلم العلمي المصري، ليُثبت أن التاريخ يمكن أن يلتقي بالحداثة. عبر منظومة دقيقة قادها الأستاذ الدكتور محمود صديق وبرعاية فضيلة الأستاذ الدكتور سلامة داود رئيس الجامعة، نجح المركز في إدخال جامعة الأزهر إلى التصنيفات العالمية. كان العمل شاملاً ومتناغمًا: رفع الوعي الأكاديمي، تدريب الباحثين، تحسين جودة المجلات، تشجيع النشر الدولي، ومواكبة لوائح الترقيات لمعايير التصنيفات الكبرى. هذه الخطوات لم تضع الأزهر على خريطة الترتيب فحسب، بل أعادت تقديمه كرمزٍ عالميٍّ يجمع بين العلم والإيمان والمعرفة.
الحاجة إلى تصنيف عربي منصف
رغم الجهود العالمية، ما زالت التصنيفات الكبرى تُقصّر في تقدير النتاج العلمي العربي والإسلامي. فالمعايير الحالية تتجاهل مجالات الإنسانيات والدراسات الحضارية، وكأن المعرفة لا تكتمل إلا بالأبحاث الغربية. من هذا الإدراك العميق، وُلد مشروع تصنيف الأزهر للجامعات الإسلامية والعربية ليكون معيارًا أكثر عدلاً وإنصافًا، يقيس جودة البحث والابتكار والهوية الثقافية معًا. المشروع الذي يعمل عليه نخبة من العلماء والباحثين، هو محاولة لإعادة التوازن الأكاديمي إلى ساحة عالمية تُهيمن عليها الرؤى الغربية، وليذكّر الجميع بأن الحضارة لا تُقاس فقط بعدد الاستشهادات، بل بعمق التأثير الإنساني والمعرفي.
بين الفكر البشري وصناعة المجد الأكاديمي
لقد تحوّلت التصنيفات الجامعية من فكرة طلابية صغيرة إلى “صناعة فكرية” كبرى تحيط بها مؤتمرات واستشارات وسباقات بحثية. لكنها رغم كل ما حققته من إنجازات، تظل نتاجًا بشريًا ناقصًا، لا يخلو من التحيز أو الخطأ. ومع ذلك، تبقى أهميتها في أنها دفعت الجامعات إلى التفكير في التطوير والتميز، وخلقت روح منافسة إيجابية نحو الجودة. فالتصنيفات ليست غاية، بل وسيلة لتحسين الأداء والبحث عن الأفضل. إنها مرآة تُظهر ملامح التقدّم، لكنها لا تختزل الحقيقة بأكملها، لأن العلم أوسع من أن يُختصر في رقم أو ترتيب.
من قاعة صغيرة لمشروع تخرّج، إلى مؤسسات تُؤثر في قرارات وزارات التعليم في العالم، تمضي قصة التصنيفات الجامعية لتؤكد أن الأفكار الصغيرة قادرة على صناعة التحوّل الكبير. ومع كل عام، تُضاف فصول جديدة إلى هذه الحكاية المدهشة التي تجمع بين العلم، والتنافس، والسياسة، والمكانة. ومع استمرار الجامعات في سباق الأرقام، يبقى التحدي الحقيقي هو الحفاظ على جوهر العلم ذاته: البحث عن الحقيقة، لا عن الترتيب. فحين يتّحد الفكر مع الإخلاص، تصبح الجامعة ليست فقط مؤسسة للتعليم، بل منارة تضيء طريق الإنسانية نحو المستقبل.