الناس أصبحت تبحث عن الحد الأدنى من الحياة بسبب شدة الغلاء، والبيوت المصرية تخوض حرب البقاء كل يوم. الفجوة بين ما يُقال فى المؤتمرات وما يُعاش فى الواقع أصبحت مهينة للعقل، ومؤلمة للقلب.. ولم تعد معاناة الناس مع ارتفاع الأسعار مجرد أحاديث عابرة فى المقاهى أو شكاوى على مواقع التواصل الاجتماعى، بل أصبحت واقعا يوميا يعيشه المواطن فى كل تفاصيل حياته، من طعامه وشرابه إلى وسيلة المواصلات وفواتير الكهرباء والمياة والغاز. موجات الغلاء المتلاحقة أرهقت الأسر البسيطة والمتوسطة على حد سواء، حتى باتت أغلب البيوت تدير حياتها وفق مبدأ الأولويات لا الاحتياجات.
ورغم كل ذلك، يبقى الشعب المصرى صبورا بطبعه، متحملًا ما يمر به من ضغوط اقتصادية فى انتظار تحسن الأوضاع. كثيرون يدركون أن الأزمة ليست محلية فقط، بل عالمية ألقت بظلالها على الجميع، وأن الحكومة تحاول السيطرة على التضخم وتوفير السلع الأساسية بأسعار عادلة، لكن المواطن ما زال ينتظر نتائج ملموسة يشعر بها فى جيبه قبل أن يسمعها فى التصريحات الرسمية.
إن تجاوز الأزمة الاقتصادية الراهنة يحتاج إلى توازن دقيق بين الإصلاحات الاقتصادية القاسية وحماية الفئات محدودة الدخل، وتوسيع مظلة الدعم الاجتماعى، وتشجيع الإنتاج المحلى لتقليل الاعتماد على الاستيراد. فالمواطن المصرى لا يطلب المستحيل، بل فقط حياة كريمة تليق بصبره وكفاحه، وأملاً فى غد أفضل لأبنائه.
أين الرقابة؟ وأين الحلول؟ المواطن يسمع يوميًا عن خطة الإصلاح وتعافى الاقتصاد، لكنه لا يرى إلا جيبه الفارغ واحتياجات أولاده التى تتضاعف. الغلاء لا يرحم، والتاجر يحمّل المواطن كل أعباء السوق والدولار والاستيراد، بينما تغيب الدولة عن مشهد المواجهة الفعلية.
لقد تعوّد المصريون على الصبر، لكن الصبر ليس ضعفًا، ولا السكوت قبولًا بالأمر الواقع. الناس تريد سياسة اقتصادية واضحة تنحاز للفقراء، لا للصفقات والمضاربات. يريدون دولة تتدخل بقوة لضبط الأسعار، لا أن تكتفى بالتحذيرات.
المصريون لا يريدون شعارات، بل حلولًا واقعية تُشعرهم أن الحكومة تراهم وتفهم معاناتهم. فقد ضاق الصدر، وآن الأوان أن يسمع من بيدهم القرار صوت الشارع، لا صوت التقارير المكتبية.
الأسعار تحلق بلا سقف، والرواتب لا تتحرك، والدولة تبدو كمن يقف متفرجًا يوزع بيانات الطمأنة بينما المواطن يختنق. إلى متى هذا الصمت الرسمى؟ وإلى متى سيبقى المواطن وحده يدفع ثمن كل خطأ اقتصادى وكل قرار متسرع؟ أين الخطط؟ أين العدالة؟ أين المراقبة الصارمة التى توقف جشع التجار وتمنع العبث بقوت الناس؟
كل يوم نسمع عن إصلاحات كبرى ومشروعات قومية ورؤية جديدة، لكننا لا نرى سوى ارتفاع فى الأسعار، وغلاء فى الفواتير، وانكماش فى الجيوب. المواطن لا يعيش على المؤشرات الاقتصادية، بل على ما يتبقى له من دخله آخر الشهر، وما يقدر أن يضعه فى حقيبة أولاده إلى المدرسة.
إن الحكومة، بسياساتها الحالية، تفقد ثقة الشارع يومًا بعد يوم. الناس سئمت من التبريرات، ومن تعليق كل أزمة على شماعة الظروف العالمية والتحديات الإقليمية. الحقيقة أن سوء الإدارة الداخلية، وغياب الأولويات، واستمرار القرارات العشوائية هى السبب الأكبر لما وصلنا إليه.
المصريون ليسوا ضد الإصلاح، لكنهم ضد أن يتحملوا وحدهم كلفته. يريدون حكومة تسمع أكثر مما تتكلم، تعمل أكثر مما تبرر، وتشعر بالناس قبل أن تخطب فيهم. فالكرامة ليست شعارًا، بل رغيف خبز، ودواء، ومسكن آمن، وتعليم محترم لأطفالهم.
لقد آن الأوان أن تعترف الحكومة بأن المواطن وصل إلى حافة الانفجار الصامت، وأن السياسات القديمة لم تعد تنفع. الشعب المصرى صبور، نعم، لكنه ليس غافلًا.. وصمته اليوم لا يعنى رضاه، بل إنذار أخير قبل أن تنكسر القدرة على الاحتمال.