عبدالرحيم عبدالباري
حين تمتد يد الطب المصري لتضمد جراح الأشقاء، تتحول المستشفيات إلى ساحات للبطولة والعلم معًا. في قلب جامعة الإسكندرية، حيث تتلاقى الخبرة العلمية مع الحس الإنساني، وُلد إنجاز طبي جديد يكتب سطرًا مضيئًا في سجل الإنسانية. لم تكن العملية مجرد تدخل جراحي لإنقاذ مريض فلسطيني من قطاع غزة، بل كانت رسالة حياة أطلقتها مصر لتقول: نحن هنا.. حيث يكون الواجب والضمير والعروبة.

في مشهد يجسد عمق الدور الإنساني لمصر تجاه القضية الفلسطينية، استطاع فريق طبي من مستشفيات جامعة الإسكندرية أن يحقق إنجازًا طبيًا غير مسبوق بإنقاذ مريض فلسطيني أصيب إصابة بالغة بطلق ناري. العملية جاءت تنفيذًا لتوجيهات القيادة السياسية ووزارة التعليم العالي، في إطار الجهود الداعمة للأشقاء في غزة الذين يتعرضون يوميًا لويلات العدوان. هذا النجاح الطبي يعكس قدرة مصر ليس فقط على مد يد العون، بل على تقديم نموذج علمي وإنساني يحتذى به في المنطقة.
الدكتور عبد العزيز قنصوة، رئيس جامعة الإسكندرية، لم يُخفِ فخره بهذا العمل البطولي، مؤكدًا أن الجامعة تسير بخطى ثابتة نحو تعزيز رسالتها الإنسانية والعلمية في آن واحد. وأوضح أن ما تحقق يُبرز الكفاءة الفائقة للفريق الطبي، والقدرة على التعامل مع أعقد الحالات وفق أحدث المعايير العالمية. كما أشار إلى أن الجامعة تعتبر دعم الأشقاء العرب جزءًا من رسالتها الوطنية، وأنها ستواصل تقديم الرعاية الصحية المتكاملة لكل من يحتاج، تنفيذًا لتوجيهات الدولة المصرية التي تؤمن بأن “الطب رسالة حياة قبل أن يكون مهنة”.
التفاصيل الطبية للعملية تروى وكأنها فصل من دراما إنسانية دقيقة. فالمريض الفلسطيني كان يحمل في جسده رصاصة مستقرة في أخطر موضع ممكن — قرب الشريان الأورطي، شريان الحياة الأكبر في الجسد. خطر الموت كان محدقًا به، لكن عزيمة الفريق الطبي غلبت كل التحديات. تحت إشراف قسم جراحة القلب والصدر والتخدير، جرت عملية استمرت لساعات طويلة، حيث نجح الأطباء في استخراج المقذوف بدقة متناهية دون المساس بالشريان أو الأعضاء الحيوية المجاورة. كانت تلك لحظة انتصار للعلم والإرادة على المستحيل.
الدكتور تامر عبد الله، عميد كلية الطب، أوضح أن العملية كانت من أكثر الجراحات تعقيدًا التي شهدتها المستشفيات الجامعية في السنوات الأخيرة. لم تكن المخاطر الطبية وحدها هي التحدي، بل الوقت والظروف الدقيقة التي تطلبت تنسيقًا محكمًا بين الجراحين وأطباء التخدير والتمريض. كل دقيقة كانت فاصلة، وكل قرار محسوب بعناية فائقة. وبعد ساعات من الترقب والعمل الدؤوب، خرج الفريق منتصرًا والمريض في حالة مستقرة، في لحظة امتزجت فيها دموع التعب بدموع الفخر.
هذا الإنجاز لم يكن مجرد عملية جراحية ناجحة، بل هو امتداد لرسالة إنسانية عميقة تؤكد أن مصر لا تقف على الحياد عندما يتعلق الأمر بالحياة. جامعة الإسكندرية، بتاريخها العلمي العريق، تحولت إلى جسر بين الطب والعطاء، بين الجراحة والعروبة. في كل ردهة من مستشفياتها ينبض الإيمان بأن العلم لا يكتمل إلا بالرحمة، وأن مهنة الطب هي الوجه الأجمل للإنسانية حين تتحرر من حدود السياسة والجغرافيا.
جامعة الإسكندرية أعلنت استمرار دعمها واستقبالها للحالات المحولة من غزة وغيرها من المناطق المتضررة، مؤكدة أن العمل الإنساني لا يتوقف عند حدود العملية الواحدة. فكل مريض يشفى هو انتصار جديد للعلم، وكل إنقاذ هو شهادة جديدة على عظمة الروح المصرية. بهذا الإنجاز، تثبت الجامعة أن رسالتها لا تقتصر على التعليم والبحث، بل تمتد لتضميد الجراح، وتعليم العالم كيف تكون الرحمة منهجًا. إنها قصة أمل كتبتها مصر بأيدي أطبائها، لتبقى شاهدًا على أن الإنسانية لا تعرف وطنًا، وأن القلب الذي ينقذ لا يسأل عن الهوية.
في زمن يعلو فيه صوت الحرب، ترفع مصر راية الحياة. من جامعة الإسكندرية خرجت قصة لا تُنسى، تؤكد أن الطب المصري لا يداوي الجسد فقط، بل يحيي الأمل في النفوس المنهكة. إنها حكاية علم وشجاعة وإنسانية، ستظل شاهدة على أن مصر كانت وستظل دائمًا ملاذًا للأشقاء وموطنًا للرحمة والعطاء.