في وطنٍ يقال إن الصحة فيه حق للجميع، ما زال المريض يبحث عن هذا الحق بين طوابير الانتظار، وأبواب المستشفيات المغلقة، ووجوه الموظفين المتجهمة.. بينما يتحدث المسؤولون عن تأمين صحي شامل وخدمات على أعلى مستوى، يظل الواقع يقول شيئا آخر تماما: أنين المرضى أعلى من كل الشعارات، ووجع الفقراء أصدق من كل الخطب الرسمية.. التأمين الصحي في مصر لم يسقط بعد، لكنه يترنح بين طموح جميل على الورق، وواقع مرير في الميدان.
لم يعد الحديث عن تطوير منظومة التأمين الصحي يقنع المواطن البسيط الذي يواجه يوميا معاناة داخل المستشفيات العامة والمراكز الطبية الحكومية.. فبينما تتحدث التصريحات الرسمية عن العدالة الصحية وتكافؤ الفرص في العلاج، يعيش المواطن واقعًا مختلفًا تمامًا؛ واقعًا عنوانه الازدحام، ونقص الأدوية، وسوء المعاملة، وتعقيد الإجراءات.
الحقيقة المؤسفة أن التأمين الصحي ما زال حبرا على ورق في كثير من المحافظات، فالمريض لا يجد الطبيب في بعض الأحيان، وإن وجده لا يجد الدواء، وإن وجد الدواء اصطدم بجهاز متهالك أو نظام إداري يعرقل كل خطوة، أما المستشفيات الكبرى التي يفترض أن تكون نموذجا للمنظومة الجديدة، فهي بدورها تعاني من ضغط رهيب ونقص في الكوادر وضعف في التمويل.
القضية ليست في إنشاء مبانٍ جديدة أو إصدار بطاقات إلكترونية، بل في إرادة حقيقية لتغيير فلسفة الخدمة الصحية، بحيث يصبح المواطن محور الاهتمام لا آخر القائمة. نحن بحاجة إلى نظام يحاسب المقصر، ويكافئ المجتهد، ويجعل من حق العلاج قيمة فعلية لا شعارا سياسيا.
لكي تنجح المنظومة، يجب أولا رفع أجور الأطباء والتمريض لتحسين بيئة العمل وجذب الكفاءات.. ثم تفعيل الرقابة الميدانية المستقلة على المستشفيات لتقييم الأداء ومحاسبة المقصرين.. كما يجب رقمنة ملفات المرضى والخدمات لتقليل البيروقراطية والفساد الإداري.. ولا بد من إشراك القطاع الخاص في تقديم الخدمة ضمن إطار منضبط يخدم المواطن لا المستثمر فقط.
وبحسب بيانات هيئة التأمين الصحي الشامل، تم تغطية نحو 20% فقط من السكان حتى الآن، وهو رقم متواضع مقارنة بحجم الطموح القومي.. إذا لم تتسارع خطوات الإصلاح، سيبقى النظام الجديد مجرد عنوان جميل على لافتة لا تعبر عن الحقيقة.
لقد كفل الدستور المصري في مادته الثامنة عشرة حق المواطن في الصحة والعلاج والرعاية الطبية المتكاملة، وألزم الدولة بإقامة نظام تأمين صحي شامل يغطي جميع المواطنين دون تفرقة.. لكن هذا النص الدستوري، رغم رقيه وعدالته، يبقى حبرا على ورق ما لم يترجم إلى خدمات حقيقية يشعر بها المواطن الفقير قبل الغني.. الحق في العلاج ليس منحة من أحد، بل هو واجب وطني وأخلاقي على الدولة، تماما كما أن الدفاع عن الوطن واجب على المواطن.. ولن يتحقق هذا الحق إلا عندما يدرك المسؤول أن المريض الذي ينتظر في طابور المستشفى هو مواطن له كرامة، وأن كرامته من كرامة الوطن نفسه.
حين يصبح العلاج متاحا لكل مواطن بإنسانية واحترام، عندها فقط يمكن أن نقول إن الدستور خرج من الكتب إلى المستشفيات، وإن العدالة الصحية تحولت من حلم إلى واقع